بيان أحد الشعانين
+بيان أحد الشعانين
حَضَرَ السيدُ المسيحُ العشاءَ الَّذِي أُعِدَّ له يومَ السبتِ الواقع فِي التاسع من نيسانَ سنة 5534 للخليقةِ، فِي القريةِ المعروفةِ ببَيتِ عَنْيَا. ومعناهُ (بَيْتُ البُؤسِ أو النَّحْس) فِي بَيْتِ سِمْعانَ الأبرصِ حَيْثُ كَانَ لِعازَرُ المَيْتُ الَّذِي أقامَهُ يسوعُ مِنَ الأمواتِ. وحيث دَهَنَتْ مَرْيَمُ قَدَمَيْ يسوعَ بالطِّيبِ الخالِصِ الكثيرِ الثمنِ ومَسَحَتْهُمَا بشَعْر رَأسِهَا كَمَا يقولُ يوحنا الْإِنجيليُّ: " ثُمَّ قَبْلَ الفِصْح بستَّةِ أيَّامٍ أتى يسوعُ إِلَى بَيْتِ عنيا، حَيْثُ كَانَ لِعازَرُ ... الخ " (1). وبالطبعِ قَبْلَ الفِصْحِ بستَّةِ أيامٍ يكُونُ السَبْتُ. ثُم قامَ فِي الغَدِ قاصِدًا الدُّخولَ إِلَى أورُشَلِيمَ عَلَانِيةً (2) فيكُونُ الغدُ هُوَ الأحدُ الموافِقُ العاشِر مِنْ نيسانَ، وَهُوَ اليَوْمُ الَّذِي كَانَ يأخذُ فِيهِ كلُّ جماعةٍ مِنْ بني إسرائيلَ خَرُوفَ الفِصْحِ مِنَ القَطِيعِ، فَيَحفَظَونَهُ إِلَى اليومِ الرابعَ عَشَرَ مِنْ هَذَا الشهرِ ثُمَّ يَذْبَحونَهُ فِي العَشيةِ (3).
وكما كانتْ خِرافُ الفِصْحِ تُفْرَزُ وتُجعَل تَحْتَ الحِفْظِ بِضْعَةَ أيامٍ فِي المدينةِ المُقَدَّسَةِ، هَكَذَا بقِيَ حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطَايا العالَمِ بَينَ جُدْرَانِ أورُشليمِ
مُتَردِّدًا بَينَ الهَيْكَلِ وبَيْتِ عنيا. ولَمَّا قَرُبَ الوقتُ المُعيَّنُ لإِتْمامِ الفداءِ دَخَلَ أورُشليمَ باحتفالٍ عظيمٍ كَمَا تَنبأ عَنْهُ زكريا قائلًا: " ابتهجي جِدًّا يا ابنةَ صِهيْونَ، اهتفي يا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يأتي إِلَيْكِ. هُوَ عادلٌ ومنصورٌ وديعٌ، وراكِبٌ عَلَى حمارٍ وَعَلَى جحشٍ ابنِ أتانٍ " (4).
إِنَّ مُخلِّصَنا لهُ المجْدُ أرادَ أَنْ يَدخُلَ أورُشَلِيمَ عَلانِيةً فِي الوقتِ الَّذِي كانتْ فِيهِ مُزْدَحِمَةً بالزائرينَ، الَّذِينَ كانوا يَؤُمَّونَها لِيَحتَفِلوا بالفِصْحِ فِيهَا. وقَدْ ذَكَرَ يوسِيفوس أَنَّ عددَ الجموعِ كثيرًا مَا كَانَ ينوفُ عَلَى المليونَيْنِ، ولَمَّا قَرُبَ المسيحُ مِنَ المدينةِ هَتَفَتْ تِلْكَ الجماهِيرُ بأصواتِ التهليلِ حَتى بَلغَ هُتَافُهُم عَنانَ السماءِ وَهُمْ يُشيرونَ فِي هُتافِهِم إِلَى الرَّبِّ يَسوعَ بعباراتٍ خُصَّ بِها السيدُ المسيحُ المُنتَظرُ: " أُوصَنَّا لابنِ داودَ! مُبارَكٌ الآتي بِاسمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأعالي! " (5). " مُبارَكةٌ مملكةُ أبينا داود الآتيةُ بِاسمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأعالي! " (6). " مُباركٌ المَلِكُ الآتِي بِاسمِ الرَّبِّ! سلامٌ فِي السَّماءِ ومَجدٌ فِي الأعالي! " (7). ولَمْ يَكُنْ هُتافُ تلكَ الجموعِ مِنْ تِلقاءِ نُفوسِهِم بلْ كانوا مدفوعينَ بقوّةٍ غريبةٍ غَيْرِ عاديَّةٍ؛ لِأَنَّ ما فاهوا بهِ وإِنْ لَمْ يَفْهَموهُ كَانَ حقًّا، وقَدْ قَبِلَهُ المسيحُ ولم يُحَرِّمْ عَلَيهِمِ النُّطْقَ به كَمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبلًا فِي مناسباتٍ كثيرةٍ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا كمالَ النُّبواتِ. وقد حاولَ الفَريسيونَ الَّذِينَ أَكَلتْ نارُ الحسدِ صُدورَهم وغَلَتْ مراجلُ الحقدِ فِي قلوبِهِم أَنْ يُسْكِتُوهُم فَلَمْ يُفلِحُوا فقالوا للسيدِ: انتهرْهُم فقالَ لَهُمْ: إِنْ سَكَتَ هؤلاءِ صَرَختِ الحجارةُ! (8).
أمَّا اخْتِيارُ مُخلِّصِنا أَنْ يَمْتَطيَ أتانًا لَمْ يَعتَلِهِ أحدٌ، فقد نَصَّ عَنهُ البَشيرونَ صَريحًا: رَكِبَ جَحْشًا ابنَ أتانٍ غَير مُتَمَرِّنٍ عَلَى الحَمْلِ. وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّهُ كَانَ
لهَذَا معنًى رمزيٌّ، فَإِنَّهُ كَانَ رئيسًا جديدًا لعهدٍ جديدٍ، وامتطَى حيوانًا جديدًا.
كما أنَّهُ عِندَ مَوْتِهِ قد وُضِعَ فِي قبرٍ جديدٍ. وذلك يُطابقُ مَا جاءَ فِي العَهْدِ القديمِ: إِنَّ البَقرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَمْ يَعْلُهُما نِيرٌ جَرَّتا العَجَلةَ الجديدةَ الموضوعَ عَلَيْهَا تابوتُ الربِّ (9). كَانَ يُعَدُّ رُكوبُ الحَميرِ سِلْميًّا (لِأَنَّهُ رئيسُ السلامِ)، بينما كَانَ رُكوبُ الخَيْلِ حربيًّا، وذلكَ عِندَ المُلوكِ. وبما أَنَّ الجحشَ لَمْ يركبْه أحدٌ قَطُّ فيَقتضِي ذَلِكَ أَنْ تَصْحَبَهُ أمُّهُ ليسْتَأنِسَ بِها فيُتَمِّمَ هَذِهِ الخِدمةَ، ليُكملَ العهدَ القديمَ بالجَديدِ.
-------------------
(1) ( يو 12 : 1 )
(2) ( يو 12 : 12 )
(3) ( خر 12 : 1 - 36 )
(4) ( زك 9 : 9 )
(5) ( مت 21 : 9 )
(6) ( مر 11 : 10 )
(7) ( لو 19 : 38 )
(8) ( لو 19 : 40 )
(9) ( 1صم 6 : 10)
حَضَرَ السيدُ المسيحُ العشاءَ الَّذِي أُعِدَّ له يومَ السبتِ الواقع فِي التاسع من نيسانَ سنة 5534 للخليقةِ، فِي القريةِ المعروفةِ ببَيتِ عَنْيَا. ومعناهُ (بَيْتُ البُؤسِ أو النَّحْس) فِي بَيْتِ سِمْعانَ الأبرصِ حَيْثُ كَانَ لِعازَرُ المَيْتُ الَّذِي أقامَهُ يسوعُ مِنَ الأمواتِ. وحيث دَهَنَتْ مَرْيَمُ قَدَمَيْ يسوعَ بالطِّيبِ الخالِصِ الكثيرِ الثمنِ ومَسَحَتْهُمَا بشَعْر رَأسِهَا كَمَا يقولُ يوحنا الْإِنجيليُّ: " ثُمَّ قَبْلَ الفِصْح بستَّةِ أيَّامٍ أتى يسوعُ إِلَى بَيْتِ عنيا، حَيْثُ كَانَ لِعازَرُ ... الخ " (1). وبالطبعِ قَبْلَ الفِصْحِ بستَّةِ أيامٍ يكُونُ السَبْتُ. ثُم قامَ فِي الغَدِ قاصِدًا الدُّخولَ إِلَى أورُشَلِيمَ عَلَانِيةً (2) فيكُونُ الغدُ هُوَ الأحدُ الموافِقُ العاشِر مِنْ نيسانَ، وَهُوَ اليَوْمُ الَّذِي كَانَ يأخذُ فِيهِ كلُّ جماعةٍ مِنْ بني إسرائيلَ خَرُوفَ الفِصْحِ مِنَ القَطِيعِ، فَيَحفَظَونَهُ إِلَى اليومِ الرابعَ عَشَرَ مِنْ هَذَا الشهرِ ثُمَّ يَذْبَحونَهُ فِي العَشيةِ (3).
وكما كانتْ خِرافُ الفِصْحِ تُفْرَزُ وتُجعَل تَحْتَ الحِفْظِ بِضْعَةَ أيامٍ فِي المدينةِ المُقَدَّسَةِ، هَكَذَا بقِيَ حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطَايا العالَمِ بَينَ جُدْرَانِ أورُشليمِ
مُتَردِّدًا بَينَ الهَيْكَلِ وبَيْتِ عنيا. ولَمَّا قَرُبَ الوقتُ المُعيَّنُ لإِتْمامِ الفداءِ دَخَلَ أورُشليمَ باحتفالٍ عظيمٍ كَمَا تَنبأ عَنْهُ زكريا قائلًا: " ابتهجي جِدًّا يا ابنةَ صِهيْونَ، اهتفي يا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يأتي إِلَيْكِ. هُوَ عادلٌ ومنصورٌ وديعٌ، وراكِبٌ عَلَى حمارٍ وَعَلَى جحشٍ ابنِ أتانٍ " (4).
إِنَّ مُخلِّصَنا لهُ المجْدُ أرادَ أَنْ يَدخُلَ أورُشَلِيمَ عَلانِيةً فِي الوقتِ الَّذِي كانتْ فِيهِ مُزْدَحِمَةً بالزائرينَ، الَّذِينَ كانوا يَؤُمَّونَها لِيَحتَفِلوا بالفِصْحِ فِيهَا. وقَدْ ذَكَرَ يوسِيفوس أَنَّ عددَ الجموعِ كثيرًا مَا كَانَ ينوفُ عَلَى المليونَيْنِ، ولَمَّا قَرُبَ المسيحُ مِنَ المدينةِ هَتَفَتْ تِلْكَ الجماهِيرُ بأصواتِ التهليلِ حَتى بَلغَ هُتَافُهُم عَنانَ السماءِ وَهُمْ يُشيرونَ فِي هُتافِهِم إِلَى الرَّبِّ يَسوعَ بعباراتٍ خُصَّ بِها السيدُ المسيحُ المُنتَظرُ: " أُوصَنَّا لابنِ داودَ! مُبارَكٌ الآتي بِاسمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأعالي! " (5). " مُبارَكةٌ مملكةُ أبينا داود الآتيةُ بِاسمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأعالي! " (6). " مُباركٌ المَلِكُ الآتِي بِاسمِ الرَّبِّ! سلامٌ فِي السَّماءِ ومَجدٌ فِي الأعالي! " (7). ولَمْ يَكُنْ هُتافُ تلكَ الجموعِ مِنْ تِلقاءِ نُفوسِهِم بلْ كانوا مدفوعينَ بقوّةٍ غريبةٍ غَيْرِ عاديَّةٍ؛ لِأَنَّ ما فاهوا بهِ وإِنْ لَمْ يَفْهَموهُ كَانَ حقًّا، وقَدْ قَبِلَهُ المسيحُ ولم يُحَرِّمْ عَلَيهِمِ النُّطْقَ به كَمَا كَانَ يَفْعَلُ قَبلًا فِي مناسباتٍ كثيرةٍ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا كمالَ النُّبواتِ. وقد حاولَ الفَريسيونَ الَّذِينَ أَكَلتْ نارُ الحسدِ صُدورَهم وغَلَتْ مراجلُ الحقدِ فِي قلوبِهِم أَنْ يُسْكِتُوهُم فَلَمْ يُفلِحُوا فقالوا للسيدِ: انتهرْهُم فقالَ لَهُمْ: إِنْ سَكَتَ هؤلاءِ صَرَختِ الحجارةُ! (8).
أمَّا اخْتِيارُ مُخلِّصِنا أَنْ يَمْتَطيَ أتانًا لَمْ يَعتَلِهِ أحدٌ، فقد نَصَّ عَنهُ البَشيرونَ صَريحًا: رَكِبَ جَحْشًا ابنَ أتانٍ غَير مُتَمَرِّنٍ عَلَى الحَمْلِ. وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّهُ كَانَ
لهَذَا معنًى رمزيٌّ، فَإِنَّهُ كَانَ رئيسًا جديدًا لعهدٍ جديدٍ، وامتطَى حيوانًا جديدًا.
كما أنَّهُ عِندَ مَوْتِهِ قد وُضِعَ فِي قبرٍ جديدٍ. وذلك يُطابقُ مَا جاءَ فِي العَهْدِ القديمِ: إِنَّ البَقرَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَمْ يَعْلُهُما نِيرٌ جَرَّتا العَجَلةَ الجديدةَ الموضوعَ عَلَيْهَا تابوتُ الربِّ (9). كَانَ يُعَدُّ رُكوبُ الحَميرِ سِلْميًّا (لِأَنَّهُ رئيسُ السلامِ)، بينما كَانَ رُكوبُ الخَيْلِ حربيًّا، وذلكَ عِندَ المُلوكِ. وبما أَنَّ الجحشَ لَمْ يركبْه أحدٌ قَطُّ فيَقتضِي ذَلِكَ أَنْ تَصْحَبَهُ أمُّهُ ليسْتَأنِسَ بِها فيُتَمِّمَ هَذِهِ الخِدمةَ، ليُكملَ العهدَ القديمَ بالجَديدِ.
-------------------
(1) ( يو 12 : 1 )
(2) ( يو 12 : 12 )
(3) ( خر 12 : 1 - 36 )
(4) ( زك 9 : 9 )
(5) ( مت 21 : 9 )
(6) ( مر 11 : 10 )
(7) ( لو 19 : 38 )
(8) ( لو 19 : 40 )
(9) ( 1صم 6 : 10)