بيان يوم خميس العهد
+ بيان يوم خميس العهد
ولَمَّا جَاءَ اليومُ الأوَّلُ منَ الفَطيرِ الَّذِي كانَ ينبغي أَنْ يُذبَحَ فِيهِ الفِصْحُ (1) أمرَ يسوعُ اثنيْنِ مِنْ تلاميذِهِ أَنْ يذهبا ويُعدَّا الفِصحَ ليأكُلَهُ معهُم جميعًا. كما هو واضحٌ فِي إِنجيلِ متى ومرقس ولوقا (2). وبَعدَ الظُّهرِ توجَّهَ إِلَى المكانِ الَّذِي أَعَدَّ التلاميذُ فِيهِ الفِصْحَ، فِي بَيْتِ مُعلِّمِنا مرقس الإِنجيليِّ. كما يُخْبِرُ التقليدُ وكما يظهرُ لنا مِنْ نفسِ إِنجيلِهِ (3)، ثُمَّ أَنَّ اليَوْمَ المُشارَ إلَيْهِ هُنا هو اليومُ الرابعَ عَشَرَ مِن نيسانَ. الَّذِي كانَ اليهودُ يَكُفُّونَ فِيهِ عنِ الشُّغْلِ عِندَ الظُّهرِ، ويُخرِجونَ كلَّ مُختمِرٍ مِنَ البُيوتِ (4) ثُمَّ بَينَ العشائَيْنِ (5) أوْ بَيْنَ العَصْرِ والغُروبِ يَذبَحونَ فِيهِ خروفَ الفِصْحِ. ومتى ابتدأَ مساءُ اليَوْمِ الخامسَ عَشَرَ كانتِ الاستعداداتُ لذلك تُصنَعُ فِي اليَوْمِ الرابعَ عَشَرَ. ولهذا السببِ كان يُدعَى هذا اليومُ: "اليومَ الأوَّلَ مِنَ الفطيرِ"، وبَعْدَ ظُهرِ يَومِ الخميسِ رَجَعَ مُخلِّصُنا له المجدُ مرةً أُخرى إِلَى أورُشليمَ لَا إِلَى الهَيْكَلِ ومعهُ تلاميذُهُ ليأكلَ الفِصْحَ.
وهو العيدُ العظيمُ عِنْدَ اليهودِ الَّذِي أُمِروا بعَمَلِهِ فِي الأصحاحِ الثاني عَشَرَ مِنْ سِفْرِ الخُروجِ. و"الفِصحُ" لَفْظَةٌ عبرانيةٌ معناها "العُبورُ"، يُكنَى بها عُبورُ الملاكِ المُهلِكِ عَنْ بَني إسرائيلَ حينَ قَتَلَ أبكارَ المصريِّينَ. وكانتْ مُدَّةُ العيدِ سبعةَ أيامٍ، تبتدئُ من اليَوْمِ الخامسَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ نيسانَ وتنتهي فِي الحادي والعشرينَ مِنْه (6). وكانَ مُحتَّمًا عَلَى اليهودِ بِمُقتضَى الناموسِ أَنْ لَا يأكُلوا فِي هَذِهِ المُدةِ سوَى الفَطيرِ (7) ولذلك سُمِّيَ بعيدِ الفَطيرِ. ويقتضي فِي مُمارسةِ الفِصْحِ خمسُ أُمورٍ:
الأولُ: ذَبْحُ الخروفِ.
الثاني: رَشُّ الدمِ عَلَى قائمتَيِ البابِ وعتبتِهِ مِنْ بَيتِ المُعَيِّدِ.
الثالثُ: شَيُّ الخروفِ صحيحًا مِنْ دونِ أَنْ يُكسَرَ مِنهُ عَظْمٌ وَفِي ذلكَ رمزٌ إِلَى آلامِ السيِّدِ المسيحِ مِن أجْلِنا (8).
الرابعُ: أكْلُهُ مع الفطيرِ والأعشابِ المُرَّةِ.
الخامسُ: عدَمُ إبقاءِ شيءٍ مِنهُ إِلَى الصُّبحِ.
وكانَ مِنْ عوائدِ اليهودِ أَنْ يُقسِّموا أنفسَهم فِي أكلِ خروفِ الفصحِ إِلَى جماعاتٍ كُلّ مِنْها لَا تَقِلُّ عن عشرة أشخاصٍ وَلَا تتجاوزُ العشرينَ شخصًا. فَإِنْ لَمْ يَبلغْ سُكانُ البيتِ الواحدِ عشرة أشخاصٍ، اشترك بيتانِ فِي خروفٍ واحدٍ. وكان كُلُّ جَماعةٍ تُنِيبُ عنها واحدًا ليُحضِرَ الخروفَ إِلَى دارِ الهيكلِ ويُساعدُ أَيْضًا اللاويينَ عَلَى ذبحِهِ، ثُمَّ يُنقلُ ما يُذبَحُ إِلَى البيتِ الَّذِي يَقْصِدونَ أَنْ يأكُلُوهُ فِيهِ حَسَبَ الشريعةِ (9) وقد قامَ بذلك فِي الهيكلِ هَذِهِ المرةَ بالنيابةِ عن مُخلِّصِنا وتلاميذِهِ: بطرسُ ويوحنا. وأعدَّا الخُبزَ والخمرَ والأعشابَ المُرَّةَ، وكلَّ ما هو ضروريٌّ لإعدادِ الفصحِ. ولَمْ يَعْرِفِ التلاميذُ المكانَ الَّذِي سيأكُلونَ فِيهِ الفِصحَ، ولذا سألوهُ عَنْهُ، فأرسلَ اثنينِ مِنْهُم وأعطاهُما علامةً يُمَيِّزانِ بها صاحبَ ذلكَ البيتِ. وهو إنسانٌ حاملٌ جرةَ ماءٍ. وكانَ لِمُخلِّصِنا حِكمةٌ فِي إخفاءِ معرفةِ المكانِ عن تلاميذِهِ إِلَى تِلكَ الساعةِ حتى لَا يتمكَّنَ يهوذا مِنْ أَنْ يُعلِمَ جماعةَ اليهودِ بهِ فيَقبِضُوا عَلَيْهِ ويَحفظوهُ عِندَهُمْ إِلَى ما بعدَ العيدِ. فأطْلَعَ بطرسَ ويوحنا فقطْ عَلَى ذَلِكَ، ولما أعدَّا كُلَّ شَيْءٍ وجاءا بهِ. ذهبَ هُوَ وتلاميذُهُ الَّذِينَ لَمْ يكونوا يَعرِفونَ المكانَ حتى دخلوهُ فأَكلوا الفِصْحَ هناك.
وكانَ لليهودِ عادةٌ أَنْ يشربوا عَلَى العشاءِ أربعةَ كُؤوسٍ مِنْ خَمرٍ حَمراءَ ممزوجةٍ بماءٍ قليلٍ. الأُولى مِنْها كانت استفتاحيّةً، فيأخذُها رئيسُ الجماعةِ ويبارِكُها قائِلًا: "فليكنِ الرَّبُّ مُبارَكًا الَّذِي أَبدعَ ثمرَ الكرمةِ". وكانتْ تُدعى "كأسَ المرارةِ" وَهِيَ الكأسُ المذكورةُ فِي إِنْجيلِ لوقا (10). وَعَلَى أثرِ ذَلِكَ كانوا يَغتسِلونَ وهذا الاغتسالُ كانوا يُشيرونَ به إِلَى عُبورِ أسلافِهِمِ البحرَ الأحمرَ. ثُمَّ يتقدَّمُونَ إِلَى المائدةِ لأكلِ ما قَدْ أُعِدَّ عَلَيْهَا مِنَ الأعشابِ المُرَّةِ والفَطيرِ والخروفِ المَشويِّ والمَرَقِ المصنوعِ مِنَ البَلَحِ واللُّوزِ والتّينِ والزَّبيبِ والخلِّ والقرفةِ وغَيْرِها من البُهاراتِ، وَأَيْضًا خجيجةِ اليومِ الرابعَ عَشَرَ. وحينئذٍ يأخذُ رئيسُ الجماعةِ شَيئًا مِنَ الأعشابِ ويَغمِسُهُ فِي المَرَقِ ويَأكُلُهُ شاكرًا اللَّهَ الَّذِي أَبدعَ خيراتِ الأرْضِ فيُجَاوبُهُ باقي المُتَّكئينَ: "آمين". وعَقِبَ ذَلِكَ يتقدَّمُ وَلَدٌ ويَسألُ والِدَهُ عَنْ سَبَبِ حِفْظِ هَذِهِ الفريضةِ؟ فيُجيبُهُ عَلَى ذَلِكَ: إِنَّ ذَبْحَ الخروفِ هُوَ تَذكارٌ لمُرورِ الملاكِ المُهلِكِ أمامَ بيوتِ العبرانيينَ ولَمْ يؤذِهِمْ. والفَطيرُ يُشيرُ إِلَى خُبزِ الشِّدَّةِ الَّذِي أَكلُوهُ فَطيرًا وَقْتَ هُروبِهِمْ مِنْ أمامِ فرعَوْنَ. والأعشابُ المُرَّةُ رمزٌ إِلَى العُبوديةِ الَّتِي كابَدُوها بِمِصْرَ. والمَرَقُ المُختَثِرُ يُمَثِّلُ بِلَوْنِهِ وخُثُورَتِهِ طِينَ مدينَتْي فيثومَ ورعمسيسَ اللَّتيْنِ بناهُما أَسلافُهُم لفرعَوْنَ بالتسخيرِ (11). ثُمَّ يقولونَ الجزءَ الأوَّلَ مِنَ التسبيحِ وَهُوَ "المزمورُ 113 و 114"، وبعد ذَلِكَ يَشربونَ الكأسَ الثانيةَ الَّتِي يدعونَها بـ "كأسِ الفرحِ". ويَطلبونَ البَرَكةَ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الطعامِ. فيأخُذُ الرئيسُ الفطيرَ ويَكسِرُهُ ويوزِّعُهُ عَلَى المتكئينَ فيأكُلُونَهُ بَعْدَ أَنْ يَغمِسُوهُ هو والأعشابَ بالمَرَقِ حتَّى يَنتهيَ وأحيانًا يَغمِسُ الرئيسُ الكِسَرَ فِي الصَّحفَةِ - كَمَا فَعَلَ مُخلِّصُنا لَهُ المجدُ - ويُناولهُمْ. ومَتَى فَرَغُوا مِنْ ذَلِكَ يأكلوا خروفَ الفِصْحِ وَلَا يُبقُوا مِنْهُ شَيئًا وَلَا يَأكلونَ بَعْدَهُ طعامًا آخرَ. ثُمَّ يُقدِّمونَ تَشَكُّراتٍ ويَشربونَ الكأسَ الثالثةَ الَّتِي تُدعَى "كأسَ البَرَكةِ" (12). ثُمَّ يُرتِّلونَ ما بَقِيَ مِنْ ترنيمةِ التَّسبيحِ وَهِيَ: "ليس لنا يَا رَبُّ ليس لنا، لكنْ لاسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا" (13). ويَشربونَ الكأسَ الرابعةَ الَّتِي كانُوا غالبًا يَختِمونَ بها الاحتفالَ. وأحيانًا كانوا يَشربونَ كأسًا خامِسةً بَعْدَ ترنيمةِ التسبحةِ العظيمةِ المحتويةِ عَلَى سَبْعَةَ عَشَرَ مزمورًا وَهِيَ مِنْ المزمور الـ "120" إِلَى المزمور الـ "136".
وقد حَدَثَتْ فِي هَذَا الوقتِ مُشاجرةٌ بَينَ التلاميذِ فِي مَنْ يُظَنُّ أَنْ يكونَ الأوَّلَ والأعظمَ وحاولَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُم أَنْ يَجعلَ نَفْسَهُ الأوَّلَ. فَأَنَّبَهُمْ الربُّ يسوعُ عَلَى تلكَ الأفكارِ الباطلةِ فقالَ لهُمْ: "مُلوكُ الأُممِ يَسُودونَهم والمُتَسَلِّطونَ عَلَيْهِمْ يُدعَوْنَ مُحسِنينَ وَأَمَّا أَنتُمْ فليسَ هَكَذَا. بَلِ الكبيرُ فِيكُمْ لِيَكُنْ كالأصغرِ والمُتَقدِّمُ كالخَادِمِ" (14). وَفِي الحالِ قَدْ قَامَ بعمليةِ غسلِ أرجُلِ التلاميذِ واحدًا فواحدًا. أمَّا بُطرسُ فاسْتَعظمَ هذا الأَمرَ الكبيرَ ورَأَى نفسَهُ أَنَّهُ لَا يستحِقُّ هذا الفعلَ العَجيبَ فقالَ لسيِّدِهِ: "لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أبدًا!"، فأجابَهُ يَسوعُ: "إِنْ كُنتُ لَا أَغسِلُكَ فَلَيْسَ لكَ مَعِي نَصِيبٌ". فخافَ بطرسُ وقالَ: "يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ ورأسي" (15) وبعد ذلك أَنبأَهُم بخيانةِ يهوذا بقولِهِ: "إِنَّ واحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي" (16)، يقَصِدُ بهِ "يهوذا الإسخريوطيَّ". فقالَ لَهُ يسوعُ: "ما أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بأكثَرِ سُرْعَةٍ" (17)، فقامَ فِي الحالِ ومَضَى إِلَى اليهودِ ليُسلِّمَ لَهُمْ سيِّدَهُ بالإرشادِ عَلَيْهِ والاشتراكِ مَعهُمْ فِي القبضِ عَلَيْهِ أَيْضًا مُقابلَ إعطائِهِ ثلاثينَ مِنَ الفِضَّةِ أيْ ثلاثينَ شاقلًا مِنَ الفِضَّةِ والشاقل يُساوي ثَلاثةَ عَشَرَ قرشًا ونِصْفَ قِرْشٍ مِنَ النُّقودِ المِصْريةِ، فيكونُ المبلغُ الَّذِي أَخَذَهُ أربَعَمائةٍ وخَمْسَةَ قُروشٍ، وَهَذِهِ القيمةُ كانتْ ثمنَ العبدِ (18) فِي ذلكَ الوقتِ. فَبِيعَ المسيحُ للمَوْتِ كعَبْدٍ لكي يُحرِّرَنا مِنْ نِيرِ العبوديةِ المُرَّةِ. وتَنبأَ زكريّا عَنْ ذلكَ بقَوْلِهِ: "إِنْ حَسُنَ فِي أعْيُنِكُمْ فَأَعْطُونِي أُجْرَتِي وَإِلَّا فامْتَنِعُوا. فَوَزَنُوا أُجْرَتِي ثَلاثِينَ مِنَ الفِضَّةِ" (19).
فما أعظمَ الفرقَ بَينَ قيمةِ السيدِ المسيحِ عِنْدَ مَرْيَمَ، وقيمتِهِ عِنْدَ يَهوذا، فَإِنَّهَا أنْفَقَتْ عَلَى إكرامِهِ عِنْدَ العشاءِ ثَلاثمئةِ دينارٍ، وباعَهُ يَهوذا للمَوْتِ بأربعِمائةِ وخَمْسةِ قروشٍ. فنتعلَّمُ مِنْ قصةِ يَهوذا العِبَرَ الآتيةَ:
أَوَّلًا: أَنَّه كانَ رسولًا مُختارًا مِنْ ضِمْنَ الاثنَيْ عَشَرَ، وكانَ رَفيقًا للمسيحِ، شاهدَ مُعجزاتِهِ، وسَمِعَ تعاليمَهُ، وشريكًا لبطرسَ ويعقوبَ ويوحنا، ونالَ من وسائطِ النعمةِ ما لَمْ يَنَلْهُ إبراهيمُ وموسى وإشعياءُ ودانيالُ، ومع ذلكَ فَإِنَّهُ هَلَكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْزِعِ الطَّمعَ مِنْ نَفْسِهِ. فَحُبُّ المالِ حَمَلَ جيحزي عَلَى خداعِ نُعمانَ، والكذبَ عَلَى أليشعَ، فأُصِيبَ بالبَرَصِ. وحَمَلَ حنانيّا وسَفِّيرة عَلَى أَنْ يَكذِبا عَلَى الرُّوحِ القُدُسِ، فماتا. كما حَمَلَ يهوذا عَلَى أَنْ يرتكبَ أفظعَ الآثامِ وَهُوَ تسليمُ ابنِ اللَّهِ إِلَى قاتِليهِ. فخَنَقَ نفسَهُ: "فَإِنَّ مَحَبَّةَ المالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إذِ ابْتَغَاهُ قَومٌ ضَلُّوا عَن الإيمان، وطَعَنوا أنْفُسَهُمْ بأوجَاعٍ كَثِيرةٍ" (20).
ثانيًا: إِنَّهُ لَا عَجَبَ من خَيْبَةِ الأملِ فِي الأصحابِ؛ لِأَنَّ السيدَ المسيحَ نفسَهُ ذاقَ مرارة هَذِهِ الكأسِ، كأسِ خيانةِ الأصدقاءِ. وَفِي الحقيقة إِنَّهُ قلَّ أَنْ يُوجدَ صَدِيقٌ وفِيٌّ حَقيقيٌّ يَركَنُ إِلَيهِ الإنسانُ فِي أوقاتِ الضِّيقِ؛ لِأَنَّ شرَّ أعداءِ المسيحِ كانَ من أقربِ أصحابِهِ كما جاءَ فِي سِفْرِ المزاميرِ (21)، وَهَذِهِ أضرَّتْ بالكنيسةِ الَّتِي هِيَ "جسدُ المسيحِ" فِي كُلِّ عَصْرٍ أكثرَ مِنْ كُلِّ الأعداءِ الخارجينَ عَلَيْهَا. وكذلكَ ضَررُ الإنسانِ لَا يَلحقُهُ غالبًا إِلَّا مِنْ أقاربِهِ وأصحابِهِ كما هو مُشاهَدٌ ومحسُوسٌ يوميًّا. وكما يقولُ الكتابُ بصَريحِ العبارةِ: إِنَّ "أعداءَ الإنسانِ أهلُ بَيتِهِ" (22) والمقرَّبونَ إِلَيْهِ.
ثُمَّ رَسَمَ لَهُمُ العشاءَ الربَّانيَّ وهو الخبزُ النازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الواهبُ الحياةَ للعالَم؛ أيْ جسدُهُ المُقدَّسُ ودَمُهُ الكريمُ حيثُ أبطَلَ أمامَهمُ الرَّمزَ. وأَشارَ لَهُمْ إِلَى المرموزِ إِلَيهِ. بَلْ قَدْ سَلَّمَهُ لَهُمْ عِوَضًا عَنْهُ عَهدًا جديدًا غَيْرَ العهدِ الأوَّلِ. كما يُوضِّحُ الإِنجيليونَ ذلكَ فِي أناجيلِهِمْ قائلينَ: وفِيمَا هُمْ يَأكُلُونَ - أيْ يأكلونَ الفِصْحَ - أخَذَ يَسوعُ خُبْزًا وبَارَكَ وكَسَّرَ، وأعْطَاهُمْ قائلًا: "خُذُوا كُلُوا، هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي". ثُمَّ تَنَاوَلَ كأسًا وشَكَر وقَالَ: "خُذُوا هَذِهِ واقْتَسِمُوهَا بَيْنَكُمْ لِأَنِّي أقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لَا أشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الكَرْمَةِ حتى يَأتِيَ مَلَكُوتُ اللَّهِ". فالأكلُ الأوَّلُ والكأسُ الأولى هُما "عشاءُ الفِصحِ". أمَّا الخُبزُ الثاني والكأسُ الثانيةُ فَهُمَا "العهدُ الجديدُ" الَّذِي يُعْطَى لمغفرةِ الخطايا. ثُمَّ بَعْدَ العشاءِ الفِصْحيِّ وتناوُلِ العشاءِ الربانيِّ وتسلُّمِ التلاميذِ هَذَا السرَّ العظيمَ، أنبأَ لَهُ المجدُ بإنكارِ بطرسَ إيَّاهُ الثلاثَ المراتِ وتأكيدُهُ لَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ قامَ وذهبَ إِلَى عَبْرِ وادي قَدرونَ حيثُ دَخَلَ هُوَ وتلاميذُهُ. وهُناكَ صلَّى بجهادٍ عظيمٍ. حتى كان عرقه يتصبّبُ كقطراتِ دمٍ عَلَى الأرضِ. وقَدْ ظَهَرَ للسيدِ المسيحِ ملَاكٌ مِنَ السَّماءِ يُقوِّيهِ قائِلًا لَهُ: لكَ القُوَّةُ، لكَ المجدُ، لكَ البركةُ، لكَ العزةُ يَا عمانوئيلُ إلهُنا وملكُنا. وَهِيَ ترنيمةُ الكنيسةِ الوحيدةِ أيامَ البصخةِ المقدسةِ.
ويُشتَرَطُ أَنْ يكونَ الجسدُ من خُبزٍ مُختمِرٍ، مصنوعٍ مِنَ القمحِ النَّقيِّ. كما استعملَهُ الرَّبُّ يَسوعُ نَفْسُهُ حيثُ يقولُ الإنجيليونَ: أخَذَ خُبزًا (آرطوس) باليونانيّةِ أيْ خُبْزٌ مُختَمِرٌ وقَدِ استعملَهُ الرُّسُلُ أَيْضًا بدليلِ ما جاءَ فِي سِفْرِ الأعمالِ (23) حَيْثُ يَذْكُرُ خُبْزًا ولَمْ يَذْكُرْ وَلَا مرَّةً واحدةً كلمةَ فطيرٍ. وَعَلَى هَذَا المِثالِ صارتِ الكنيسةُ المقدَّسةُ تُمارِسُ هَذَا السِّرَّ بالخُبزِ.
والدَّمُ يَجبُ أَنْ يَكونَ مِنْ عَصيرِ العِنَبِ الخالصِ لكيْ يكونَ مُماثِلًا لِدَمِ السيدِ المسيحِ المسفوكِ. كما قالَ يعقوبُ أبو الآباءِ - بالرُّوحِ القُدُسِ - عَنْ يَهوذا ابْنِهِ الَّذِي طَلَعَ الرَّبُّ مِنْ سِبْطِهِ: "غَسَلَ بِالخَمْرِ لِبَاسَهُ، وَبِدَمِ العِنَبِ ثَوْبَهُ" (24). ثُمَّ يُمزَجُ الخمرُ عِنْدَ الخِدْمةِ بالماءِ كما فَعَلَ السيِّدُ لهُ المجدُ ولتَذكارِ الدَّمِ والماءِ اللَّذَيْنِ قَدْ خرجا مِنْ جَنْبِ الفادي وَهُوَ عَلَى الصليبِ (25). وقَدْ نَطَقَ الرُّوحُ القُدُسُ قديمًا عَلَى لسانِ سُلَيمانَ فِي أمثالِهِ عَنِ الكنيسةِ قائلًا: "ذَبَحَتْ ذَبْحَهَا. مَزَجَتْ خَمْرَهَا. أَيْضًا رَتَّبَتْ مَائِدَتَهَا" (26).
أَمَّا الفوائدُ الَّتِي يَنالهُا المؤمِنُون بتناوُلِهِمْ مِنْ هَذَا السرِّ باستحقاقٍ فَهِيَ كثيرةٌ جدًّا، مِنْها:
أَوَّلًا: أَنَّهَا تَربُطُ المشتركينَ فِيهِ مع الربِّ ارتباطًا وطيدًا وتُصيِّرُهُمْ جسدًا واحدًا ورُوحًا واحدًا فِي المسيحِ طِبْقًا لِقَوْلِ مُخلِّصِنا لَهُ المجدُ: "مَن يأكلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (27).
ثانيًا: إِنَّ هَذِهِ الشركةَ تُغذِّي أجسادَنا ونفوسَنا. وتوطِّدُ إِيمانَنا فِي الرَّبِّ وتقدِّمُنا فِي الكمالِ المسيحيِّ والنُّمُوِّ فِي الحياةِ الروحيةِ كَمَا قالَ السيدُ المسيحُ: "إِنَّ جَسَدِي مَأكَلٌ حَقٌّ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ". "كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بالآبِ، فَمَنْ يَأكُلْنِي يَحْيَا بِي" (28)، ويُعلِّمُ آباءُ الكنيسةِ بِأَنَّ سرَّ الشُّكْرِ هُوَ يُغذِّي الروحَ والجسدَ مَعًا، ويُقوّيهِمَا ويُحييهِما ويشفيهِما مِنْ كُلِّ ضَعْفٍ ويُقيهِما مِنَ الخطايا، ويُقدِّسُهُما ويُطهِّرُهُما مِنْ كُلِّ دَنسٍ، ويجعلُهُما غَيْرَ مُتَزَعْزِعَيْنِ وَلَا مَغلُوبَيْنِ فِي جِهادِهِمَا الرُّوحيِّ فِي سَبيلِ التَّقْوَى والبرِّ والصلاحِ.
ثالثًا: تكونُ هَذِهِ الشركةُ بمثابةِ عُربونٍ لقيامتِنا المُستقبلةِ وللغِبطةِ الأبديةِ،
كَمَا قالَ مُخلِّصُنا: "مَنْ يَأكُلْ جَسَدِي ويَشْرَبْ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي اليَومِ الأخِيرِ" (29). "إِنْ أكلَ أحَدٌ مِنْ هَذَا الخُبزِ يحيا إِلَى الأبدِ". وبالإجمالِ إِنَّه دواءٌ لِعَدَمِ المَوْتِ. وتثبيتٌ للحياةِ الأبديةِ بيسوعَ المسيحِ. وَإِنَّ أجسادَنا بَعْدَ اشتراكِها فِي السرِّ الإِلهيِّ لَا تَبقَى فاسِدةً. بَلْ يكونُ لَهَا رجاءُ القيامةِ للحياةِ الأبديةِ.
ولَمَّا جَاءَ اليومُ الأوَّلُ منَ الفَطيرِ الَّذِي كانَ ينبغي أَنْ يُذبَحَ فِيهِ الفِصْحُ (1) أمرَ يسوعُ اثنيْنِ مِنْ تلاميذِهِ أَنْ يذهبا ويُعدَّا الفِصحَ ليأكُلَهُ معهُم جميعًا. كما هو واضحٌ فِي إِنجيلِ متى ومرقس ولوقا (2). وبَعدَ الظُّهرِ توجَّهَ إِلَى المكانِ الَّذِي أَعَدَّ التلاميذُ فِيهِ الفِصْحَ، فِي بَيْتِ مُعلِّمِنا مرقس الإِنجيليِّ. كما يُخْبِرُ التقليدُ وكما يظهرُ لنا مِنْ نفسِ إِنجيلِهِ (3)، ثُمَّ أَنَّ اليَوْمَ المُشارَ إلَيْهِ هُنا هو اليومُ الرابعَ عَشَرَ مِن نيسانَ. الَّذِي كانَ اليهودُ يَكُفُّونَ فِيهِ عنِ الشُّغْلِ عِندَ الظُّهرِ، ويُخرِجونَ كلَّ مُختمِرٍ مِنَ البُيوتِ (4) ثُمَّ بَينَ العشائَيْنِ (5) أوْ بَيْنَ العَصْرِ والغُروبِ يَذبَحونَ فِيهِ خروفَ الفِصْحِ. ومتى ابتدأَ مساءُ اليَوْمِ الخامسَ عَشَرَ كانتِ الاستعداداتُ لذلك تُصنَعُ فِي اليَوْمِ الرابعَ عَشَرَ. ولهذا السببِ كان يُدعَى هذا اليومُ: "اليومَ الأوَّلَ مِنَ الفطيرِ"، وبَعْدَ ظُهرِ يَومِ الخميسِ رَجَعَ مُخلِّصُنا له المجدُ مرةً أُخرى إِلَى أورُشليمَ لَا إِلَى الهَيْكَلِ ومعهُ تلاميذُهُ ليأكلَ الفِصْحَ.
وهو العيدُ العظيمُ عِنْدَ اليهودِ الَّذِي أُمِروا بعَمَلِهِ فِي الأصحاحِ الثاني عَشَرَ مِنْ سِفْرِ الخُروجِ. و"الفِصحُ" لَفْظَةٌ عبرانيةٌ معناها "العُبورُ"، يُكنَى بها عُبورُ الملاكِ المُهلِكِ عَنْ بَني إسرائيلَ حينَ قَتَلَ أبكارَ المصريِّينَ. وكانتْ مُدَّةُ العيدِ سبعةَ أيامٍ، تبتدئُ من اليَوْمِ الخامسَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ نيسانَ وتنتهي فِي الحادي والعشرينَ مِنْه (6). وكانَ مُحتَّمًا عَلَى اليهودِ بِمُقتضَى الناموسِ أَنْ لَا يأكُلوا فِي هَذِهِ المُدةِ سوَى الفَطيرِ (7) ولذلك سُمِّيَ بعيدِ الفَطيرِ. ويقتضي فِي مُمارسةِ الفِصْحِ خمسُ أُمورٍ:
الأولُ: ذَبْحُ الخروفِ.
الثاني: رَشُّ الدمِ عَلَى قائمتَيِ البابِ وعتبتِهِ مِنْ بَيتِ المُعَيِّدِ.
الثالثُ: شَيُّ الخروفِ صحيحًا مِنْ دونِ أَنْ يُكسَرَ مِنهُ عَظْمٌ وَفِي ذلكَ رمزٌ إِلَى آلامِ السيِّدِ المسيحِ مِن أجْلِنا (8).
الرابعُ: أكْلُهُ مع الفطيرِ والأعشابِ المُرَّةِ.
الخامسُ: عدَمُ إبقاءِ شيءٍ مِنهُ إِلَى الصُّبحِ.
وكانَ مِنْ عوائدِ اليهودِ أَنْ يُقسِّموا أنفسَهم فِي أكلِ خروفِ الفصحِ إِلَى جماعاتٍ كُلّ مِنْها لَا تَقِلُّ عن عشرة أشخاصٍ وَلَا تتجاوزُ العشرينَ شخصًا. فَإِنْ لَمْ يَبلغْ سُكانُ البيتِ الواحدِ عشرة أشخاصٍ، اشترك بيتانِ فِي خروفٍ واحدٍ. وكان كُلُّ جَماعةٍ تُنِيبُ عنها واحدًا ليُحضِرَ الخروفَ إِلَى دارِ الهيكلِ ويُساعدُ أَيْضًا اللاويينَ عَلَى ذبحِهِ، ثُمَّ يُنقلُ ما يُذبَحُ إِلَى البيتِ الَّذِي يَقْصِدونَ أَنْ يأكُلُوهُ فِيهِ حَسَبَ الشريعةِ (9) وقد قامَ بذلك فِي الهيكلِ هَذِهِ المرةَ بالنيابةِ عن مُخلِّصِنا وتلاميذِهِ: بطرسُ ويوحنا. وأعدَّا الخُبزَ والخمرَ والأعشابَ المُرَّةَ، وكلَّ ما هو ضروريٌّ لإعدادِ الفصحِ. ولَمْ يَعْرِفِ التلاميذُ المكانَ الَّذِي سيأكُلونَ فِيهِ الفِصحَ، ولذا سألوهُ عَنْهُ، فأرسلَ اثنينِ مِنْهُم وأعطاهُما علامةً يُمَيِّزانِ بها صاحبَ ذلكَ البيتِ. وهو إنسانٌ حاملٌ جرةَ ماءٍ. وكانَ لِمُخلِّصِنا حِكمةٌ فِي إخفاءِ معرفةِ المكانِ عن تلاميذِهِ إِلَى تِلكَ الساعةِ حتى لَا يتمكَّنَ يهوذا مِنْ أَنْ يُعلِمَ جماعةَ اليهودِ بهِ فيَقبِضُوا عَلَيْهِ ويَحفظوهُ عِندَهُمْ إِلَى ما بعدَ العيدِ. فأطْلَعَ بطرسَ ويوحنا فقطْ عَلَى ذَلِكَ، ولما أعدَّا كُلَّ شَيْءٍ وجاءا بهِ. ذهبَ هُوَ وتلاميذُهُ الَّذِينَ لَمْ يكونوا يَعرِفونَ المكانَ حتى دخلوهُ فأَكلوا الفِصْحَ هناك.
وكانَ لليهودِ عادةٌ أَنْ يشربوا عَلَى العشاءِ أربعةَ كُؤوسٍ مِنْ خَمرٍ حَمراءَ ممزوجةٍ بماءٍ قليلٍ. الأُولى مِنْها كانت استفتاحيّةً، فيأخذُها رئيسُ الجماعةِ ويبارِكُها قائِلًا: "فليكنِ الرَّبُّ مُبارَكًا الَّذِي أَبدعَ ثمرَ الكرمةِ". وكانتْ تُدعى "كأسَ المرارةِ" وَهِيَ الكأسُ المذكورةُ فِي إِنْجيلِ لوقا (10). وَعَلَى أثرِ ذَلِكَ كانوا يَغتسِلونَ وهذا الاغتسالُ كانوا يُشيرونَ به إِلَى عُبورِ أسلافِهِمِ البحرَ الأحمرَ. ثُمَّ يتقدَّمُونَ إِلَى المائدةِ لأكلِ ما قَدْ أُعِدَّ عَلَيْهَا مِنَ الأعشابِ المُرَّةِ والفَطيرِ والخروفِ المَشويِّ والمَرَقِ المصنوعِ مِنَ البَلَحِ واللُّوزِ والتّينِ والزَّبيبِ والخلِّ والقرفةِ وغَيْرِها من البُهاراتِ، وَأَيْضًا خجيجةِ اليومِ الرابعَ عَشَرَ. وحينئذٍ يأخذُ رئيسُ الجماعةِ شَيئًا مِنَ الأعشابِ ويَغمِسُهُ فِي المَرَقِ ويَأكُلُهُ شاكرًا اللَّهَ الَّذِي أَبدعَ خيراتِ الأرْضِ فيُجَاوبُهُ باقي المُتَّكئينَ: "آمين". وعَقِبَ ذَلِكَ يتقدَّمُ وَلَدٌ ويَسألُ والِدَهُ عَنْ سَبَبِ حِفْظِ هَذِهِ الفريضةِ؟ فيُجيبُهُ عَلَى ذَلِكَ: إِنَّ ذَبْحَ الخروفِ هُوَ تَذكارٌ لمُرورِ الملاكِ المُهلِكِ أمامَ بيوتِ العبرانيينَ ولَمْ يؤذِهِمْ. والفَطيرُ يُشيرُ إِلَى خُبزِ الشِّدَّةِ الَّذِي أَكلُوهُ فَطيرًا وَقْتَ هُروبِهِمْ مِنْ أمامِ فرعَوْنَ. والأعشابُ المُرَّةُ رمزٌ إِلَى العُبوديةِ الَّتِي كابَدُوها بِمِصْرَ. والمَرَقُ المُختَثِرُ يُمَثِّلُ بِلَوْنِهِ وخُثُورَتِهِ طِينَ مدينَتْي فيثومَ ورعمسيسَ اللَّتيْنِ بناهُما أَسلافُهُم لفرعَوْنَ بالتسخيرِ (11). ثُمَّ يقولونَ الجزءَ الأوَّلَ مِنَ التسبيحِ وَهُوَ "المزمورُ 113 و 114"، وبعد ذَلِكَ يَشربونَ الكأسَ الثانيةَ الَّتِي يدعونَها بـ "كأسِ الفرحِ". ويَطلبونَ البَرَكةَ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الطعامِ. فيأخُذُ الرئيسُ الفطيرَ ويَكسِرُهُ ويوزِّعُهُ عَلَى المتكئينَ فيأكُلُونَهُ بَعْدَ أَنْ يَغمِسُوهُ هو والأعشابَ بالمَرَقِ حتَّى يَنتهيَ وأحيانًا يَغمِسُ الرئيسُ الكِسَرَ فِي الصَّحفَةِ - كَمَا فَعَلَ مُخلِّصُنا لَهُ المجدُ - ويُناولهُمْ. ومَتَى فَرَغُوا مِنْ ذَلِكَ يأكلوا خروفَ الفِصْحِ وَلَا يُبقُوا مِنْهُ شَيئًا وَلَا يَأكلونَ بَعْدَهُ طعامًا آخرَ. ثُمَّ يُقدِّمونَ تَشَكُّراتٍ ويَشربونَ الكأسَ الثالثةَ الَّتِي تُدعَى "كأسَ البَرَكةِ" (12). ثُمَّ يُرتِّلونَ ما بَقِيَ مِنْ ترنيمةِ التَّسبيحِ وَهِيَ: "ليس لنا يَا رَبُّ ليس لنا، لكنْ لاسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا" (13). ويَشربونَ الكأسَ الرابعةَ الَّتِي كانُوا غالبًا يَختِمونَ بها الاحتفالَ. وأحيانًا كانوا يَشربونَ كأسًا خامِسةً بَعْدَ ترنيمةِ التسبحةِ العظيمةِ المحتويةِ عَلَى سَبْعَةَ عَشَرَ مزمورًا وَهِيَ مِنْ المزمور الـ "120" إِلَى المزمور الـ "136".
وقد حَدَثَتْ فِي هَذَا الوقتِ مُشاجرةٌ بَينَ التلاميذِ فِي مَنْ يُظَنُّ أَنْ يكونَ الأوَّلَ والأعظمَ وحاولَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُم أَنْ يَجعلَ نَفْسَهُ الأوَّلَ. فَأَنَّبَهُمْ الربُّ يسوعُ عَلَى تلكَ الأفكارِ الباطلةِ فقالَ لهُمْ: "مُلوكُ الأُممِ يَسُودونَهم والمُتَسَلِّطونَ عَلَيْهِمْ يُدعَوْنَ مُحسِنينَ وَأَمَّا أَنتُمْ فليسَ هَكَذَا. بَلِ الكبيرُ فِيكُمْ لِيَكُنْ كالأصغرِ والمُتَقدِّمُ كالخَادِمِ" (14). وَفِي الحالِ قَدْ قَامَ بعمليةِ غسلِ أرجُلِ التلاميذِ واحدًا فواحدًا. أمَّا بُطرسُ فاسْتَعظمَ هذا الأَمرَ الكبيرَ ورَأَى نفسَهُ أَنَّهُ لَا يستحِقُّ هذا الفعلَ العَجيبَ فقالَ لسيِّدِهِ: "لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أبدًا!"، فأجابَهُ يَسوعُ: "إِنْ كُنتُ لَا أَغسِلُكَ فَلَيْسَ لكَ مَعِي نَصِيبٌ". فخافَ بطرسُ وقالَ: "يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ ورأسي" (15) وبعد ذلك أَنبأَهُم بخيانةِ يهوذا بقولِهِ: "إِنَّ واحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي" (16)، يقَصِدُ بهِ "يهوذا الإسخريوطيَّ". فقالَ لَهُ يسوعُ: "ما أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بأكثَرِ سُرْعَةٍ" (17)، فقامَ فِي الحالِ ومَضَى إِلَى اليهودِ ليُسلِّمَ لَهُمْ سيِّدَهُ بالإرشادِ عَلَيْهِ والاشتراكِ مَعهُمْ فِي القبضِ عَلَيْهِ أَيْضًا مُقابلَ إعطائِهِ ثلاثينَ مِنَ الفِضَّةِ أيْ ثلاثينَ شاقلًا مِنَ الفِضَّةِ والشاقل يُساوي ثَلاثةَ عَشَرَ قرشًا ونِصْفَ قِرْشٍ مِنَ النُّقودِ المِصْريةِ، فيكونُ المبلغُ الَّذِي أَخَذَهُ أربَعَمائةٍ وخَمْسَةَ قُروشٍ، وَهَذِهِ القيمةُ كانتْ ثمنَ العبدِ (18) فِي ذلكَ الوقتِ. فَبِيعَ المسيحُ للمَوْتِ كعَبْدٍ لكي يُحرِّرَنا مِنْ نِيرِ العبوديةِ المُرَّةِ. وتَنبأَ زكريّا عَنْ ذلكَ بقَوْلِهِ: "إِنْ حَسُنَ فِي أعْيُنِكُمْ فَأَعْطُونِي أُجْرَتِي وَإِلَّا فامْتَنِعُوا. فَوَزَنُوا أُجْرَتِي ثَلاثِينَ مِنَ الفِضَّةِ" (19).
فما أعظمَ الفرقَ بَينَ قيمةِ السيدِ المسيحِ عِنْدَ مَرْيَمَ، وقيمتِهِ عِنْدَ يَهوذا، فَإِنَّهَا أنْفَقَتْ عَلَى إكرامِهِ عِنْدَ العشاءِ ثَلاثمئةِ دينارٍ، وباعَهُ يَهوذا للمَوْتِ بأربعِمائةِ وخَمْسةِ قروشٍ. فنتعلَّمُ مِنْ قصةِ يَهوذا العِبَرَ الآتيةَ:
أَوَّلًا: أَنَّه كانَ رسولًا مُختارًا مِنْ ضِمْنَ الاثنَيْ عَشَرَ، وكانَ رَفيقًا للمسيحِ، شاهدَ مُعجزاتِهِ، وسَمِعَ تعاليمَهُ، وشريكًا لبطرسَ ويعقوبَ ويوحنا، ونالَ من وسائطِ النعمةِ ما لَمْ يَنَلْهُ إبراهيمُ وموسى وإشعياءُ ودانيالُ، ومع ذلكَ فَإِنَّهُ هَلَكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْزِعِ الطَّمعَ مِنْ نَفْسِهِ. فَحُبُّ المالِ حَمَلَ جيحزي عَلَى خداعِ نُعمانَ، والكذبَ عَلَى أليشعَ، فأُصِيبَ بالبَرَصِ. وحَمَلَ حنانيّا وسَفِّيرة عَلَى أَنْ يَكذِبا عَلَى الرُّوحِ القُدُسِ، فماتا. كما حَمَلَ يهوذا عَلَى أَنْ يرتكبَ أفظعَ الآثامِ وَهُوَ تسليمُ ابنِ اللَّهِ إِلَى قاتِليهِ. فخَنَقَ نفسَهُ: "فَإِنَّ مَحَبَّةَ المالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إذِ ابْتَغَاهُ قَومٌ ضَلُّوا عَن الإيمان، وطَعَنوا أنْفُسَهُمْ بأوجَاعٍ كَثِيرةٍ" (20).
ثانيًا: إِنَّهُ لَا عَجَبَ من خَيْبَةِ الأملِ فِي الأصحابِ؛ لِأَنَّ السيدَ المسيحَ نفسَهُ ذاقَ مرارة هَذِهِ الكأسِ، كأسِ خيانةِ الأصدقاءِ. وَفِي الحقيقة إِنَّهُ قلَّ أَنْ يُوجدَ صَدِيقٌ وفِيٌّ حَقيقيٌّ يَركَنُ إِلَيهِ الإنسانُ فِي أوقاتِ الضِّيقِ؛ لِأَنَّ شرَّ أعداءِ المسيحِ كانَ من أقربِ أصحابِهِ كما جاءَ فِي سِفْرِ المزاميرِ (21)، وَهَذِهِ أضرَّتْ بالكنيسةِ الَّتِي هِيَ "جسدُ المسيحِ" فِي كُلِّ عَصْرٍ أكثرَ مِنْ كُلِّ الأعداءِ الخارجينَ عَلَيْهَا. وكذلكَ ضَررُ الإنسانِ لَا يَلحقُهُ غالبًا إِلَّا مِنْ أقاربِهِ وأصحابِهِ كما هو مُشاهَدٌ ومحسُوسٌ يوميًّا. وكما يقولُ الكتابُ بصَريحِ العبارةِ: إِنَّ "أعداءَ الإنسانِ أهلُ بَيتِهِ" (22) والمقرَّبونَ إِلَيْهِ.
ثُمَّ رَسَمَ لَهُمُ العشاءَ الربَّانيَّ وهو الخبزُ النازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الواهبُ الحياةَ للعالَم؛ أيْ جسدُهُ المُقدَّسُ ودَمُهُ الكريمُ حيثُ أبطَلَ أمامَهمُ الرَّمزَ. وأَشارَ لَهُمْ إِلَى المرموزِ إِلَيهِ. بَلْ قَدْ سَلَّمَهُ لَهُمْ عِوَضًا عَنْهُ عَهدًا جديدًا غَيْرَ العهدِ الأوَّلِ. كما يُوضِّحُ الإِنجيليونَ ذلكَ فِي أناجيلِهِمْ قائلينَ: وفِيمَا هُمْ يَأكُلُونَ - أيْ يأكلونَ الفِصْحَ - أخَذَ يَسوعُ خُبْزًا وبَارَكَ وكَسَّرَ، وأعْطَاهُمْ قائلًا: "خُذُوا كُلُوا، هَذَا هُوَ جَسَدِي الَّذِي يُبْذَلُ عَنْكُمْ اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي". ثُمَّ تَنَاوَلَ كأسًا وشَكَر وقَالَ: "خُذُوا هَذِهِ واقْتَسِمُوهَا بَيْنَكُمْ لِأَنِّي أقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لَا أشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الكَرْمَةِ حتى يَأتِيَ مَلَكُوتُ اللَّهِ". فالأكلُ الأوَّلُ والكأسُ الأولى هُما "عشاءُ الفِصحِ". أمَّا الخُبزُ الثاني والكأسُ الثانيةُ فَهُمَا "العهدُ الجديدُ" الَّذِي يُعْطَى لمغفرةِ الخطايا. ثُمَّ بَعْدَ العشاءِ الفِصْحيِّ وتناوُلِ العشاءِ الربانيِّ وتسلُّمِ التلاميذِ هَذَا السرَّ العظيمَ، أنبأَ لَهُ المجدُ بإنكارِ بطرسَ إيَّاهُ الثلاثَ المراتِ وتأكيدُهُ لَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ قامَ وذهبَ إِلَى عَبْرِ وادي قَدرونَ حيثُ دَخَلَ هُوَ وتلاميذُهُ. وهُناكَ صلَّى بجهادٍ عظيمٍ. حتى كان عرقه يتصبّبُ كقطراتِ دمٍ عَلَى الأرضِ. وقَدْ ظَهَرَ للسيدِ المسيحِ ملَاكٌ مِنَ السَّماءِ يُقوِّيهِ قائِلًا لَهُ: لكَ القُوَّةُ، لكَ المجدُ، لكَ البركةُ، لكَ العزةُ يَا عمانوئيلُ إلهُنا وملكُنا. وَهِيَ ترنيمةُ الكنيسةِ الوحيدةِ أيامَ البصخةِ المقدسةِ.
ويُشتَرَطُ أَنْ يكونَ الجسدُ من خُبزٍ مُختمِرٍ، مصنوعٍ مِنَ القمحِ النَّقيِّ. كما استعملَهُ الرَّبُّ يَسوعُ نَفْسُهُ حيثُ يقولُ الإنجيليونَ: أخَذَ خُبزًا (آرطوس) باليونانيّةِ أيْ خُبْزٌ مُختَمِرٌ وقَدِ استعملَهُ الرُّسُلُ أَيْضًا بدليلِ ما جاءَ فِي سِفْرِ الأعمالِ (23) حَيْثُ يَذْكُرُ خُبْزًا ولَمْ يَذْكُرْ وَلَا مرَّةً واحدةً كلمةَ فطيرٍ. وَعَلَى هَذَا المِثالِ صارتِ الكنيسةُ المقدَّسةُ تُمارِسُ هَذَا السِّرَّ بالخُبزِ.
والدَّمُ يَجبُ أَنْ يَكونَ مِنْ عَصيرِ العِنَبِ الخالصِ لكيْ يكونَ مُماثِلًا لِدَمِ السيدِ المسيحِ المسفوكِ. كما قالَ يعقوبُ أبو الآباءِ - بالرُّوحِ القُدُسِ - عَنْ يَهوذا ابْنِهِ الَّذِي طَلَعَ الرَّبُّ مِنْ سِبْطِهِ: "غَسَلَ بِالخَمْرِ لِبَاسَهُ، وَبِدَمِ العِنَبِ ثَوْبَهُ" (24). ثُمَّ يُمزَجُ الخمرُ عِنْدَ الخِدْمةِ بالماءِ كما فَعَلَ السيِّدُ لهُ المجدُ ولتَذكارِ الدَّمِ والماءِ اللَّذَيْنِ قَدْ خرجا مِنْ جَنْبِ الفادي وَهُوَ عَلَى الصليبِ (25). وقَدْ نَطَقَ الرُّوحُ القُدُسُ قديمًا عَلَى لسانِ سُلَيمانَ فِي أمثالِهِ عَنِ الكنيسةِ قائلًا: "ذَبَحَتْ ذَبْحَهَا. مَزَجَتْ خَمْرَهَا. أَيْضًا رَتَّبَتْ مَائِدَتَهَا" (26).
أَمَّا الفوائدُ الَّتِي يَنالهُا المؤمِنُون بتناوُلِهِمْ مِنْ هَذَا السرِّ باستحقاقٍ فَهِيَ كثيرةٌ جدًّا، مِنْها:
أَوَّلًا: أَنَّهَا تَربُطُ المشتركينَ فِيهِ مع الربِّ ارتباطًا وطيدًا وتُصيِّرُهُمْ جسدًا واحدًا ورُوحًا واحدًا فِي المسيحِ طِبْقًا لِقَوْلِ مُخلِّصِنا لَهُ المجدُ: "مَن يأكلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (27).
ثانيًا: إِنَّ هَذِهِ الشركةَ تُغذِّي أجسادَنا ونفوسَنا. وتوطِّدُ إِيمانَنا فِي الرَّبِّ وتقدِّمُنا فِي الكمالِ المسيحيِّ والنُّمُوِّ فِي الحياةِ الروحيةِ كَمَا قالَ السيدُ المسيحُ: "إِنَّ جَسَدِي مَأكَلٌ حَقٌّ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ". "كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بالآبِ، فَمَنْ يَأكُلْنِي يَحْيَا بِي" (28)، ويُعلِّمُ آباءُ الكنيسةِ بِأَنَّ سرَّ الشُّكْرِ هُوَ يُغذِّي الروحَ والجسدَ مَعًا، ويُقوّيهِمَا ويُحييهِما ويشفيهِما مِنْ كُلِّ ضَعْفٍ ويُقيهِما مِنَ الخطايا، ويُقدِّسُهُما ويُطهِّرُهُما مِنْ كُلِّ دَنسٍ، ويجعلُهُما غَيْرَ مُتَزَعْزِعَيْنِ وَلَا مَغلُوبَيْنِ فِي جِهادِهِمَا الرُّوحيِّ فِي سَبيلِ التَّقْوَى والبرِّ والصلاحِ.
ثالثًا: تكونُ هَذِهِ الشركةُ بمثابةِ عُربونٍ لقيامتِنا المُستقبلةِ وللغِبطةِ الأبديةِ،
كَمَا قالَ مُخلِّصُنا: "مَنْ يَأكُلْ جَسَدِي ويَشْرَبْ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي اليَومِ الأخِيرِ" (29). "إِنْ أكلَ أحَدٌ مِنْ هَذَا الخُبزِ يحيا إِلَى الأبدِ". وبالإجمالِ إِنَّه دواءٌ لِعَدَمِ المَوْتِ. وتثبيتٌ للحياةِ الأبديةِ بيسوعَ المسيحِ. وَإِنَّ أجسادَنا بَعْدَ اشتراكِها فِي السرِّ الإِلهيِّ لَا تَبقَى فاسِدةً. بَلْ يكونُ لَهَا رجاءُ القيامةِ للحياةِ الأبديةِ.
* استحالة الخُبز والخمر إِلَى جسد ودم المسيح *
اعتقدَ "لوثيروس" (30) أَنَّ الخُبزَ يَبقَى خُبزًا، ولكن داخِلَهُ بالإيمانِ جسد المسيحِ. والخمرُ يَبقَى خَمرًا، ولكن داخلَه بالإيمانِ دَم المسيحِ. فنأكُلُ ونشربُ خُبزًا وخَمرًا ولكنْ بالإيمانِ نأكُلُ ونشربُ جسد ودَمَ المسيحِ. وقَدِ اعتقدَ البعضُ أَنَّ الخُبزَ هو خُبزٌ فَقطْ والخَمرَ هو خَمرٌ فَقطْ بدونِ تغييرٍ وَلَا استحالةٍ (31) إِلَّا أَنَّ ذلك يُشيرُ إِلَى جسدِ المسيحِ ودَمِهِ. أمَّا الكنيسةُ المقدسةُ الأرثوذكسيةُ وجَميعُ الكنائسِ القديمةِ فقدِ اعتقدتْ أَنَّهما جسدُ المسيحِ ودَمُهُ الحقيقيّانِ وتقولُ: إِنَّهُ هو الجسدُ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ مَريَمَ العذراءِ، وَهُوَ الَّذِي صُلِبَ عَلَى الصليبِ، وَهُوَ الَّذِي فِي السماءِ. وتُعزِّزُ مُعتقدَها هَذَا وتُثْبِتُه ببراهينَ قويّةٍ مِنَ الكتابِ المُقدَّسِ. وَهُوَ مِنْ قولِ السيدِ المسيحِ نفسِهِ: "والخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِيَ هو جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أجْلِ حَيَاةِ العَالَمِ" (32). وَهُوَ عَيْنُ الخُبزِ الَّذِي وَعَدَ بِهِ هكذا وسمَّاهُ جسدَهُ عَلَى لسانِ مُعلِّمِنا بولُس.
فَلَوْ كانَ قولُ السيدِ: "هذا هو جَسَدِي وهذا هو دَمِي" قولٌ مثليٌّ أو رَمْزيٌّ لَمَا كانَ يقولُ تلك الكلمةَ الفعَّالةَ: هذا هو جَسَدِي وهذا هو دَمي. ويُؤيِّدُ ذلك ما نَطَقَ بِهِ الوحيُ: إِنَّ الرَّبَّ يَسوعَ فِي اللَّيلةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وشَكَرَ فَكَسَّرَ، وقالَ: "خُذُوا كُلُوا هذا هو جَسَدِي المَكْسُورُ لأجْلِكُمُ" (33). ولذلك تحققَ بأَجْلَى بيانٍ أَنَّ هذا السرَّ هو جسدُ المسيحِ ودَمُهُ ليسا هُما مُجرَّدُ تَذْكارٍ بَلْ هُما حقيقيّانِ كقَوْلِهِ: لِأَنَّ جَسَدِي مَأكَلٌ حَقٌّ - لَا مَجازِيّ - ودَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ - لَا مَجازِيّ - مَنْ يَأكُلْ جَسَدِي ويَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. وقد برهنَ الرسولُ عَلَى أهميةِ هَذَا السرِّ ويُحَذِّرُ الَّذِينَ يَتقدَّمونَ إِلَيهِ بِغَيْرِ استحقاقٍ قائلًا: "أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذا الخُبْزَ، أو شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ، بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ، يكونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ" (34)، وأَرْدَفَ الكلامَ قائلًا: "لِأَنَّ الَّذِي يأكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ يأكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ ودَمَهُ" (35). وهلْ مِنْ عاقلٍ يقولُ فِي أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ التهديداتِ والتحذيراتِ الشديدةِ هِيَ لأجلِ أكلِ خُبْزٍ وشُرْبِ خَمْرٍ.
أفَعَدْلُ اللَّهِ يَقتضي هَكَذَا أَنْ يَرمِيَ خليقتَهُ فِي الدينونةِ والشَجْبِ والقَصَاصِ لِأَجْلِ أكلِ الخُبزِ وشُرْبِ الخَمرِ. أَفَيَجْعلُنا اللَّهُ مُساوينَ للصالبينَ إيّاهُ ويُعادلُ دينونةَ الخُبزِ والخمرِ بدينونةِ مَنْ صلَبوهُ. وهل يُعطينا اللَّهُ حَصاةً ويُطالبُنا بلؤلؤةٍ ويُعادلُ قِيمةَ جسدِهِ ودَمِهِ الكريمَيْنِ بقيمةِ الخُبزِ والخمرِ اللَّذَيْنِ جعلَهُما اللَّهُ قُوتًا للإنسانِ. فالمسألةُ صارَتْ تحتَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكونَ الخبزُ جَسدَ المسيحِ الطاهرِ، والخمرُ دَمَهُ الكريمُ. وحينذاكَ يكونُ مَوْقِعُ التهديداتِ الرّهيبةِ والتحذيراتِ الشديدةِ فِي محلِّها. وَإِمَّا أَنْ يكونَ الخُبزُ لَمْ يَزَلْ خُبزًا والخمرُ خَمرًا عَلَى بساطتِهِما. فعدلُ اللَّهِ لَا يَقتضِي أَنْ يَشجُبَ مُؤمنيهِ ويُوقِعَهُمْ فِي دينونةِ القَصَاصِ لِأَجْلِ خُبزٍ وخَمرٍ بسيطَيْنِ.
فمِمَّا تقدَّمَ مِنَ البراهينِ الَّتِي أوردناها تَبيَّنَ لنا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ مُطلَقًا فِي الكتابِ المُقدَّسِ أَنَّ الخُبزَ والخَمرَ يكونانِ إشارةً أو علامةً أو رَمْزًا إِلَى جسدِ ودَمِ السيدِ المسيحِ الأقدسَيْنِ.
الَّذِي لَهُ المجدُ والكرامةُ مِنَ الآنَ وَإِلَى الأبدِ. آمين.
--------------
(1) (لو 22: 7)
(2) (مت 26: 17)، (مر 14: 12)، (لو 22: 8)
(3) (مر 14: 13)
(4) (خر 12: 15 - 17)
(5) (لا 23: 5)
(6) (لا 23: 6)
(7) (خر 12: 15)
(8) (يو 19: 36)، (1كو 5: 7)
(9) (خر 12: 4 - 14)
(10) (لو 22: 17)
(11) (خر 1: 11)، (تث 6: 20 - 25)
(12) (1كو 10: 16)
(13) (مز 115: 1)
(14) (لو 22: 24 - 26)
(15) (يو 13: 8، 9)
(16) (يو 13: 21)
(17) (يو 13: 27)
(18) (خر 21: 32)
(19) (زك 11: 12، 13)
(20) (1 تـي 6: 10)
(21) (مز 41: 9، 55: 12 - 14)
(22) (مي 7: 6، مت 10: 36)
(23) (أع 2: 42، 46، 20: 7)، (1كو 10: 16، 17، 11: 24)
(24) (تك 49: 11)
(25) (يو 19: 34)
(26) (أم 9: 2)
(27) (يو 6: 56)
(28) (يو 6: 57)
(29) (يو 6: 54)
(30) مارتن لوثر وهو مؤسِّس البروتستانتية.
(31) أيْ تحوُّل.
(32) (يو 6: 51)
(33) (1كو 11: 23 ـ 24)
(34) (1كو 11: 27)
(35) (1كو 11: 27 - 29)
اعتقدَ "لوثيروس" (30) أَنَّ الخُبزَ يَبقَى خُبزًا، ولكن داخِلَهُ بالإيمانِ جسد المسيحِ. والخمرُ يَبقَى خَمرًا، ولكن داخلَه بالإيمانِ دَم المسيحِ. فنأكُلُ ونشربُ خُبزًا وخَمرًا ولكنْ بالإيمانِ نأكُلُ ونشربُ جسد ودَمَ المسيحِ. وقَدِ اعتقدَ البعضُ أَنَّ الخُبزَ هو خُبزٌ فَقطْ والخَمرَ هو خَمرٌ فَقطْ بدونِ تغييرٍ وَلَا استحالةٍ (31) إِلَّا أَنَّ ذلك يُشيرُ إِلَى جسدِ المسيحِ ودَمِهِ. أمَّا الكنيسةُ المقدسةُ الأرثوذكسيةُ وجَميعُ الكنائسِ القديمةِ فقدِ اعتقدتْ أَنَّهما جسدُ المسيحِ ودَمُهُ الحقيقيّانِ وتقولُ: إِنَّهُ هو الجسدُ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ مَريَمَ العذراءِ، وَهُوَ الَّذِي صُلِبَ عَلَى الصليبِ، وَهُوَ الَّذِي فِي السماءِ. وتُعزِّزُ مُعتقدَها هَذَا وتُثْبِتُه ببراهينَ قويّةٍ مِنَ الكتابِ المُقدَّسِ. وَهُوَ مِنْ قولِ السيدِ المسيحِ نفسِهِ: "والخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِيَ هو جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أجْلِ حَيَاةِ العَالَمِ" (32). وَهُوَ عَيْنُ الخُبزِ الَّذِي وَعَدَ بِهِ هكذا وسمَّاهُ جسدَهُ عَلَى لسانِ مُعلِّمِنا بولُس.
فَلَوْ كانَ قولُ السيدِ: "هذا هو جَسَدِي وهذا هو دَمِي" قولٌ مثليٌّ أو رَمْزيٌّ لَمَا كانَ يقولُ تلك الكلمةَ الفعَّالةَ: هذا هو جَسَدِي وهذا هو دَمي. ويُؤيِّدُ ذلك ما نَطَقَ بِهِ الوحيُ: إِنَّ الرَّبَّ يَسوعَ فِي اللَّيلةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وشَكَرَ فَكَسَّرَ، وقالَ: "خُذُوا كُلُوا هذا هو جَسَدِي المَكْسُورُ لأجْلِكُمُ" (33). ولذلك تحققَ بأَجْلَى بيانٍ أَنَّ هذا السرَّ هو جسدُ المسيحِ ودَمُهُ ليسا هُما مُجرَّدُ تَذْكارٍ بَلْ هُما حقيقيّانِ كقَوْلِهِ: لِأَنَّ جَسَدِي مَأكَلٌ حَقٌّ - لَا مَجازِيّ - ودَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ - لَا مَجازِيّ - مَنْ يَأكُلْ جَسَدِي ويَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. وقد برهنَ الرسولُ عَلَى أهميةِ هَذَا السرِّ ويُحَذِّرُ الَّذِينَ يَتقدَّمونَ إِلَيهِ بِغَيْرِ استحقاقٍ قائلًا: "أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذا الخُبْزَ، أو شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ، بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ، يكونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ" (34)، وأَرْدَفَ الكلامَ قائلًا: "لِأَنَّ الَّذِي يأكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ يأكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ ودَمَهُ" (35). وهلْ مِنْ عاقلٍ يقولُ فِي أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ التهديداتِ والتحذيراتِ الشديدةِ هِيَ لأجلِ أكلِ خُبْزٍ وشُرْبِ خَمْرٍ.
أفَعَدْلُ اللَّهِ يَقتضي هَكَذَا أَنْ يَرمِيَ خليقتَهُ فِي الدينونةِ والشَجْبِ والقَصَاصِ لِأَجْلِ أكلِ الخُبزِ وشُرْبِ الخَمرِ. أَفَيَجْعلُنا اللَّهُ مُساوينَ للصالبينَ إيّاهُ ويُعادلُ دينونةَ الخُبزِ والخمرِ بدينونةِ مَنْ صلَبوهُ. وهل يُعطينا اللَّهُ حَصاةً ويُطالبُنا بلؤلؤةٍ ويُعادلُ قِيمةَ جسدِهِ ودَمِهِ الكريمَيْنِ بقيمةِ الخُبزِ والخمرِ اللَّذَيْنِ جعلَهُما اللَّهُ قُوتًا للإنسانِ. فالمسألةُ صارَتْ تحتَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكونَ الخبزُ جَسدَ المسيحِ الطاهرِ، والخمرُ دَمَهُ الكريمُ. وحينذاكَ يكونُ مَوْقِعُ التهديداتِ الرّهيبةِ والتحذيراتِ الشديدةِ فِي محلِّها. وَإِمَّا أَنْ يكونَ الخُبزُ لَمْ يَزَلْ خُبزًا والخمرُ خَمرًا عَلَى بساطتِهِما. فعدلُ اللَّهِ لَا يَقتضِي أَنْ يَشجُبَ مُؤمنيهِ ويُوقِعَهُمْ فِي دينونةِ القَصَاصِ لِأَجْلِ خُبزٍ وخَمرٍ بسيطَيْنِ.
فمِمَّا تقدَّمَ مِنَ البراهينِ الَّتِي أوردناها تَبيَّنَ لنا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ مُطلَقًا فِي الكتابِ المُقدَّسِ أَنَّ الخُبزَ والخَمرَ يكونانِ إشارةً أو علامةً أو رَمْزًا إِلَى جسدِ ودَمِ السيدِ المسيحِ الأقدسَيْنِ.
الَّذِي لَهُ المجدُ والكرامةُ مِنَ الآنَ وَإِلَى الأبدِ. آمين.
--------------
(1) (لو 22: 7)
(2) (مت 26: 17)، (مر 14: 12)، (لو 22: 8)
(3) (مر 14: 13)
(4) (خر 12: 15 - 17)
(5) (لا 23: 5)
(6) (لا 23: 6)
(7) (خر 12: 15)
(8) (يو 19: 36)، (1كو 5: 7)
(9) (خر 12: 4 - 14)
(10) (لو 22: 17)
(11) (خر 1: 11)، (تث 6: 20 - 25)
(12) (1كو 10: 16)
(13) (مز 115: 1)
(14) (لو 22: 24 - 26)
(15) (يو 13: 8، 9)
(16) (يو 13: 21)
(17) (يو 13: 27)
(18) (خر 21: 32)
(19) (زك 11: 12، 13)
(20) (1 تـي 6: 10)
(21) (مز 41: 9، 55: 12 - 14)
(22) (مي 7: 6، مت 10: 36)
(23) (أع 2: 42، 46، 20: 7)، (1كو 10: 16، 17، 11: 24)
(24) (تك 49: 11)
(25) (يو 19: 34)
(26) (أم 9: 2)
(27) (يو 6: 56)
(28) (يو 6: 57)
(29) (يو 6: 54)
(30) مارتن لوثر وهو مؤسِّس البروتستانتية.
(31) أيْ تحوُّل.
(32) (يو 6: 51)
(33) (1كو 11: 23 ـ 24)
(34) (1كو 11: 27)
(35) (1كو 11: 27 - 29)