بيان يوم الجمعة العظيمة
+بيان يوم الجمعة العظيمة
بعْدَمَا أَكَلَ مُخلِّصُنا - لَهُ المَجْدُ - الفِصْحَ مع تلَاميذِهِ بأورشليمَ، سبَّحوا وخَرَجوا إِلَى جبلِ الزَّيتونِ إِلَى عَبرِ "وادي قَدرونَ"، وَكَانَ هَذَا الوادي عميقًا، ويُسمَّى "بالوادي الأَسْوَدِ". وَكَانَ موقِعُهُ بين أورُشليمَ وجبلِ الزيتونِ. يبتدئُ عَلَى بُعد ميلٍ ونِصفِ الميل إِلَى الشِّمالِ الغربيِّ مِنْ أُورُشليمَ ويَسيرُ إِلَى الجنوبِ الشرقيِّ إِلَى أن يَصلَ إِلَى زاويةِ السورِ الشِّماليةِ الشرقيةِ. ثُمَّ ينحَدِرُ شرقِيَّ المدينةِ. ويُسمَّى أَيْضًا "وادي يهوشافاط" وَهُوَ بَينَ سُورِ المدينةِ مِن الجانبِ الغربيِّ وجَبلِ الزَّيتونِ وتلِّ المعصيةِ مِنَ الجانبِ الشرقيِّ ثُمَّ يَنحدِرُ إِلَى "مار سابا" حيث يُسمَّى "وادي الرّاهبِ". ومِنْ ثَمَّ يمتدُّ إِلَى بحرِ لوطٍ وهناك يُسمَّى "وادي النَّارِ". ويُسمَّى أَيْضًا بوادي الأَرْزِ. وَفِي هَذَا الوادي أُحرِقَتْ تماثيلُ مَعْكَةَ (1)، وطُرِحَتْ جَميعُ أدواتِ العِبَادَةِ البَاطِلَةِ الَّتِي تَنَجَّسَ بِها هَيكلُ الرَّبِّ (2). ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ الوادي مكانًا للمقَابرِ. ومِمَّا يُذكَرْ أَنَّهُ عَبَرَ هَذَا الوادي داودُ لَمَّا هَرَبَ مِنْ وَجْهِ ابنِهِ أبْشَالُوم (3). وكَذَلِكَ السيدُ المسيحُ عِندما ذهبَ إِلَى جِثْسيْماني (4)، وَهُوَ عَالِمٌ أَن يهوذا كَانَ يعرفُ هَذَا المكانَ لَم يُرِدْ أَن يختفيَ بعدُ، بل كَانَ مُستعدًّا أَنْ يُقدِّمَ ذاتَهُ كفارةً عن خطايا العالَمِ. حتى إِنَّهُ لَم ينتظرِ الجندَ ليسألوهُ مَنْ هُوَ، بَلْ سبَقَهُم وخرجَ لاستقبالِهم وسألهُم مَنْ تطلبونَ؟ وَكَانَ ذَلِكَ فِي نصفِ اللَّيلِ مِن ليلةِ الجمعةِ الموافقةِ الخامسَ عَشَر مِنْ نِيسانَ.
ولَمَّا قَبضَ الجُندُ عَلَى المُخلِّصِ - لهُ المَجْدُ - ورأى التلَاميذُ أَنَّ مُعلِّمَهم قد أُوثِقَ وأُخِذَ تركُوهُ وهَرَبوا، غيرَ أَنَّ اثْنَيْنِ مِنهُمْ سَكنَ رَوْعُهُمْ وهُما بطرسُ ويوحنا وتَبِعا الجمعَ إِلَى دارِ رئيسِ الكهنةِ، إِلَى "حنَّانَ" الَّذِي كَانَ حَمَا "قَيَافَا". وَكَانَ مِن عادةِ أعضاءِ ذَلِكَ المجلسِ أَن يَجتمعوا فِي إحدى ديارِ الهيكلِ، ولَكنْ كَانَ يجوزُ لَهُم الاجتماعُ فِي دارِ رئيسِ الكهنةِ. وَلَعَلَّ غايةَ اجتماعِهِمْ هَذَا إخفاءُ مشورتِهِم عَنِ الشَّعبِ، لِأَنَّ ديارَ الهيكلِ كانت فِي ذَلِكَ الوقتِ غاصَّةً بالنَّاسِ بالنسبةِ لأَيَّامِ الفِصْحِ.
وأمَّا وظيفةُ رئيسِ الكهنةِ فأوَّلُ من تَولَّاها هَارُونُ (5)، وَكَانَ يَرِثُها الأكبرُ من سُلَالتِهِ فِي القرونِ الأولى من تاريخِ الْإِسرائيليينَ (6)، ولَمَّا استولى عَلَيْهِمْ مُلُوكُ اليونانِ صاروا يبيعونَ لَهُم تلكَ الوظيفةَ لِمَنْ يدفعُ فِيهَا ثَمنًا وافِرًا. وبعدَ أَنِ استولى عَلَيْهِمِ الرومانيونَ أخذوا يَعزلونَ الرئيسَ ويُقِيمُونَ غيرَه كَمَا يريدونَ، غيرَ مُراعِينَ أهلِيَّةَ ومَقدِرَةَ الشخصِ المرغوبِ فِيهِ. واستمرَّتْ هَذِهِ العادةُ الممقوتةُ من عصرِ "هيرودِسَ الكبيرِ" إِلَى زمانِ خرابِ أورُشليمَ. ويَظهرُ أَنَّ "حنَّانَ" كَانَ ذا سطوةٍ قويّةٍ وجاهٍ عظيمٍ حتى تَحَصَّلَ عَلَى رِئاسَةِ الكَهَنَةِ ليسَ لابنِهِ "أليعازرَ" وصِهْرِهِ "قَيَافَا" فقط، بَلْ لأربعةٍ آخَرِينَ مِنْ بَنِيهِ، وَكَانَ يُلقَّبُ كُلُّ مَنْ أخَذَ تِلْكَ الوَظِيفَةَ برئِيسِ الكَهَنَةِ ويَجْلِسُ فِي المَجْلِسِ الكَبِيرِ طُولَ أيَّامِ حَيَاتِهِ ولَو عُزِلَ. وَهَكَذَا جَرَى مَعَ "حَنَّانَ" فإِنَّهُ دُعِيَ رئِيسَ الكَهَنَةِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ معزولًا مِنْ وظيفتِه قَبْلَ الصَّلْبِ بأربعِ سنواتٍ. وَقُدِّمَ اسْمُهُ عَلَى اسْمِ "قَيَافَا" لِأَنَّهُ أكبَرُ مِنهُ سِنًّا وأقْدَمُ فِي الوظِيفَةِ ولَهُ خِبْرَةٌ واسعةٌ بالأحوالِ، فلَمَّا أمْسَكَ اليهودُ السيِّدَ المسيحَ - لهُ المَجْدُ - قَدَّموهُ أَوَّلًا إِلَى "حَنَّانَ" اسْتِجْلَابًا لِمُصَادَقتِهِ وإرضائِهِ عمَّا فَعَلوا، ومِنْ ثَمَّ أخذوا السيدَ - لهُ المَجْدُ - مُوثَقًا إِلَى "قَيَافَا".
وَكَانَ "قَيَافَا" اسمُهُ "يوسِفُ" كَمَا ذكر "يوسيفوسُ" المؤرِّخُ وَكَانَ حاضرًا وقتَ القضاءِ عَلَى السيدِ المسيحِ بالصَّلْبِ، وَهُوَ صَدُّوقيُّ المذهبِ وَكَانَ صِهْرَ "حنَّانَ". وَكَانَ "قيافا" رئيسًا للكهنةِ، ولذا قالَ: "خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ يَمُوتَ واحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلَا تَهلِكُ الأُمَّةُ كُلُّها". وعَزَلهُ "فيتاليوس أوفالوريوس" سِلفُ "بيلَاطُس البنطي" الوالي الرومانيّ. وَكَانَ ذَلِكَ بعد صَلْبِ السيدِ المسيحِ - لهُ المَجْدُ - بستِّ سنينَ.
واجتمعَ أعضاءُ مجمعِ السبعينَ وعقدوا جلسةً استعداديةً غَيْرَ رَسْمِيَّةٍ. وَلَا بُدَّ أَنَّ مُخلِّصَنا فُحِصَ أَوَّلًا أمام "قَيَافَا" لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ "حنَّانُ" بعدَ نِصفِ الليلِ بِقَلِيلٍ، وبَقِيَ مُخلِّصُنا - لهُ المَجْدُ - أمامَ " قَيَافَا " وحدَهُ وأمامَ أعضاءِ المَجْمَعِ إِلَى قُرْبِ الفَجْرِ أو وقتِ صِياحِ الدِّيكِ. وَفِي أثناءِ ذَلِكَ أنكرَ بطرسُ السيّدَ المسيحَ ثلَاثَ مراتٍ ثُمَّ استهزأوا به، ولَمَّا كَانَ النَّهارُ اجتمَعَ المجمعُ الكبيرُ فِي صباحِ يومِ الجمعةِ فِي الهيكلِ، وَأَثْبَتَ حُكمَ الجلسةِ السابقةِ غَيْرِ الرَّسْمِيَّةِ، الَّتِي عُقِدَتْ فِي الليلِ فِي دارِ رَئِيسِ الكَهَنَةِ لِأَنَّ الحُكمَ عَلَى يسوعَ بالموتِ فِي هَذِهِ الجلسةِ باطلٌ، وَلَا يُعتَبرُ إِلَّا مُجَرَّدَ تصريحٍ برأيِ الأعضاءِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُخَالِفًا لشريعةِ اليهودِ أَنْ يُجْرَى فَحْصُ جِنَايةٍ فِي الليلِ، وللشريعةِ الرُّومانية أَنْ يَصْدُرَ حُكمٌ قَبْلَ الفَجْرِ.
ويَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ غَضَبَ رُؤسَاءِ الكَهَنَةِ كَانَ شَديدًا عَلَى يسوعَ - لهُ المَجْدُ - فاجْتَمَعُوا فِي اللَّيلِ لكي يَخْتَرِعُوا عَلَيْهِ تُهَمًا مُلَفَّقَةً لإماتَتِهِ. فَسألَهُ رَئِيسُ الكَهَنَةِ:
"أأَنْتَ هُوَ المسيحُ ابنُ اللَّهِ؟". فَلَمَّا أجَابَ يَسُوعُ عَلَى السؤالِ تَظَاهَرَ قَيَافَا بالاشْمِئْزَازِ والامتِعاضِ مِنْ جَوابِهِ وحَسِبَهُ تَجْدِيفًا، وقَالَ إِنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى
شُهُودٍ بَعْدُ، فَحَكَمُوا عَلَيْهِ بالْإِجماعِ بالموتِ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَلَا لِرُؤَسَائِهِمْ قُوَّةُ تَنفِيذِ هَذَا الحُكمِ.
أخَذُوا يسوع إِلَى بيلَاطسَ الحَاكِمِ الرومانيِّ لكي يَأمُرَ بصَلْبِهِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ المَجْمَعَ الكبيرَ كَانَ لَهُ وحْدَهُ الحَقُّ الشَرْعِيُّ فِي الحُكْمِ عَلَى الدَّعَاوِي الجِنائِيَّةِ الَّتِي تَسْتَوجِبُ القَصَاصَ، ولكنَّ الحكومةَ الرُّومانِيَّةَ كانتْ قَدْ نَزَعَتْ مِنْهُ ذَلِكَ السُّلْطَانَ قَبْلَ هَذَا الوقتِ بعدَّةِ سِنِينَ.
فَمَزَّقَ رَئِيسُ الكَهَنَةِ ثِيَابَهُ، وَهَذِهِ هِيَ العلَامةُ المألوفَةُ للحُزْنِ عِنْدَ اليَهُودِ، وقَصَدَ بها رئيسُ الكَهَنةِ أَنْ يُظهِرَ اشْمِئْزَازَهُ مِنْ فَظَاعَةِ التَّجْدِيفِ فِي وجودِهِ. فشَهِدَ عَلَى يسوعَ بأَنَّهُ جدَّفَ ليَصِلَ إِلَى تَتْمِيم بُغْيَتِهِ الشِّرِّيرَةِ، وَإِنَّهُ قَدْ زَادَ إثْمُهُ بتمزيقِهِ ثيابَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مُوجَبِ شريعةِ مُوسى كَانَ لَا يَجُوزُ لِرَئيس الكَهَنَةِ أَنْ يُمَزِّق ثِيَابَهُ (7)، ومِنْ ذَلِكَ الحِينِ قَدْ نُزِعَتْ مِنَ الأُمةِ اليهوديةِ وظيفةُ الكهنوتِ. وَكَانَ عَلَى أعضاءِ المجلسِ أَنْ يَنْظُروا فِي دَعْوَاهُ، لِيَعْلَمُوا أحقٌّ كُلُّ مَا قَالَهُ السَّيِّدُ - لهُ المَجْدُ - أمْ لَا، ولكنَّهم صَرفُوا أذهانَهُمْ عن سَمَاعِ الحقِيقَةِ، وقَرَّروا تنفِيذَ الحكمِ عَلَيْهِ بالموتِ رَجْمًا، بمُقتضَى شَريعةِ مُوسَى الَّتِي أَمَرَتْ برَجْمِ المُجدِّفِ (8)، وَكَانَ غَرَضُ أعضاءِ المجلسِ أَنْ يَأمُرُوا النَّاسَ برَجْمِ يَسُوعَ عَلَى رَغْمِ الحُكَّامِ الرُّومانيين، كَمَا فَعَلُوا بَعدَ ذَلِكَ باستفانُوسَ. ولكنَّهُم لَمْ يَفْعَلُوا هَذَا خَوفًا مِنْ أَنْ يُدافعَ الكَثيرونَ مِنَ الشَّعْبِ عَنْ يَسُوعَ ويُنْقِذُوهُ مِنْ أيديهِمْ. وَأَيْضًا كَانَ القَانُونُ عِنْدَ الرُّومَان يَقْضِي فِي مثلِ هَذِهِ الحالَاتِ عَلَى المُجدِّفِ بالمَوْتِ صَلْبًا، فلم يقدِرِ المجمعُ أَنْ يُنفِّذَ مَا فِي نفسِهِ، وَهَذِهِ هِيَ عِلَّةُ السَّيِّدُ - لهُ المَجْدُ - أَنْ يَمُوتَ بالجَسَدِ صَلْبًا لَا رَجْمًا. فأوثقوهُ وأَتَوْا بهِ إِلَى بيلَاطُسَ كَمَا يَنُصُّ جميعُ البَشِيِرينَ. وَكَانَ المقصودُ من ذهابِهِمْ إِلَيْهِ هُوَ التَّصديقُ عَلَى حكمِهِمْ. حينئذٍ لَمَّا رأى يهوذا أَنَّهُ قد دينَ نَدِمَ، وردَّ الثلَاثينَ من الفضةِ (9).
ولَمَّا أُرْسِلَ المُخَلِّصُ - لهُ المَجْدُ - فِي المَرَّةِ الأولى إِلَى الوالي الرُّومانيِّ صَحِبَهُ كُلُّ المَجْمَعِ الكَبِيرِ (10)، وَلَا بُدَّ أَنَّهُمْ كانوا يَقْصِدُونَ مِنْ تَجَمْهُرِهُمْ هَذَا والذهابِ به فِي الصَّباحِ بِمَوْكِبٍ حافلٍ مِنْ أدنِياءَ وكُبَراءَ كي يُمَوِّهُوا عَلَى عَقْلِ بيلَاطُسَ، ويُقْنِعُوهُ بأَنَّهُ قَدِ ارتكَبَ جِنَايةً مِنْ أفْظعِ وأشْنَعِ الجِنايَاتِ الَّتِي لَمْ يُسْمَعْ بِمثلِها مُبَالِغِينَ فِي إدانَتِهِ. ولما أُخْبِرَ بيلَاطُسُ بأَنَّ أعضاءَ المَجْلِسِ الكبيرِ أَتَوْهُ بِمُذنِبٍ، وَأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَدْخُلوا إِلَى الوالي فِي دارِ الوِلَايةِ تَبَعًا للشَّريعةِ الَّتِي تُحرِّمُ عَلَيْهِمْ دخولَ بيوتٍ فِيهَا خميرٌ، فَدَفَعُوا بيسوعَ إِلَى بيلَاطُسَ وهُمْ لَبِثوا بإزاءِ البابِ فِي الطريقِ، ولَمْ يدخلوا لِئَلَّا يتنجَّسُوا فيمتَنِعُوا عن أكلِ الفصحِ. خَرَجَ هُوَ لِمُقَابَلَتهِمْ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ كانوا يطمَعُونَ فِي إثباتِ حُكمِهِم حالًا بدونِ ذِكْرِ الأسْبَابِ الَّتِي دانَهُ عَلَيْهَا المَجْمَعُ الكبيرُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ خَابَ أَمَلُهُمْ عِندَ سؤالِ بيلَاطُسَ لَهُمْ: أيَّةَ شِكايَةٍ تُقدِّمونَ عَلَى هَذَا الْإِنسانِ؟ فاضْطُرُّوا إِلَى أَنْ يُقرِّرُوا الذَنْبَ المَوهُومَ. وأسفَرتِ النَّتِيجَةُ عَنْ أَنَّ بِيلَاطُسَ أعْلَنَ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيهِ عِلَّةً يَسْتَوجِبُ عَلَيْهَا المَوْتَ. وبِيلَاطُسُ هَذَا كَانَ يُلَقَّبُ بالبُنْطِيِّ ولَمَّا كَانَ " أرخيلَاوُسُ ابنُ هيرودسَ الكبيرِ " آخِرَ مَلِكٍ عَلَى اليهوديَّةِ الَّذِي نُفِيَ مِن حُكْمِهِ سَنةَ سِتٍّ للميلَادِ، فَمِنْ ذَلِكَ الوقتِ أخَذَ قيصرُ يُقيمُ عَلَى اليهوديةِ الوَلَاةَ. وَكَانَ بيلَاطُسُ سادِسَ والٍ عَلَى اليهوديةِ عَيَّنهُ "طيباريُوسُ قَيْصَرُ"، فَتَولَّى اليهوديةَ عَشْرَ سِنينَ: سِتًا قَبْلَ صَلْبِ السيدِ المسيحِ، وأرْبَعًا بَعْدَ قِيامَتِهِ. وَكَانَ قَاسِيًا ظَالِمًا سَرِيعَ التَّقلُّبِ لَا يَسْعَى إِلَّا لِمَنَافِعِهِ الشَخْصِيَّةِ، وَلَا يَكْتَرِثُ بِصَالِحِ الآخرين وكثيرًا مَا عَصَاهُ اليَهودُ فَسَفَكَ دِمَاءَ كَثِيرينَ مِنْهُمْ إخمادًا لِفِتَنِهِمْ، فَأبْغَضُوهُ أَشَدَّ البُغْضِ وشَكَوْهُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ لِقَيْصَرَ. إِلَّا أَنَّهُ كَانَ بَصِيرًا فِي بَيَانِ الحَقِّ والعَدْلِ لَكِنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ قُوَّةُ الشَّجَاعةِ ليُنصِفَ المظلومَ. فكَانَ يَكْرَهُ اليَهودَ ويُبغضُهُمْ لَكِنَّهُ كَانَ يَخْشَى شَكواهُمْ إيَّاهُ للإمبراطورِ. فَعُزِلَ مِنْ ولَايتِهِ فِي الوقتِ الَّذِي عُزِلَ فِيهِ قَيَافَا من كهنوتِهِ. وَكَانَ مَرْكَزُ الوالي فِي قَيْصَرِيَّةَ عَلَى شاطئِ بحرِ الرُّومِ (11). وَكَانَ يَذهَبُ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي أيَّامِ الأعْيَادِ العَظِيمَةِ لِيَمْنَعَ الشَّغَبَ والتشويشَ الَّذِي كَانَ يَحْدُثُ مِنَ الجَمْعِ ويُجْرِي الأحْكَامَ. وَكَانَ مَنْزِلُ الوالِي فِي أُورُشَلِيمَ فِي القَصْرِ الَّذِي يُسَمَّى قَصْرُ "هيرودِسَ الكبيرِ" عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ.
وإذْ كَانَ بيلَاطُسُ حَائِرًا ماذا يفعلُ لِيتخلَّصَ مِنْ إدانةِ السَّيِّدِ - لهُ المَجْدُ - فلمّا سَمِعَ ذِكرَ الجَليلِ بطريقِ العَرْضِ خطرَ فِي بالهِ أَنَّهُ يُمكنُهُ أَنْ يُخْلِيَ نَفْسَهُ مِنْ هَذِهِ المسئُولِيَّةِ بإرسَالِهِ إِلَى "هيرودِسَ أنتيباسَ" رئيسِ الرُّبْعَ فِي الجَليلِ (12) الَّذِي حَكَمَ اثنيْنِ وأربعينَ سنةً: أربعةً منها قَبْلَ صَلْبِ السَّيِّد المسيح والبَاقِيَ بعدَ صَلْبِهِ. وَكَانَ ثاني أبناءِ هيرودِسَ الأكبرِ مِنِ امرأتِهِ الرابعةِ "مِلثاكي" وَكَانَ مثلَ أبيهِ راغبًا فِي المجدِ والعَظمةِ ورَغْدِ العَيشِ وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ ربُّنا ثعلبًا (13). وقد أنفقَ كأبيهِ مبالغ طائلةً فِي المباني العموميَّةِ فَبَنَى طَبَرِيَّةَ إكرامًا للإمبراطورِ "طيباريوسَ قيصرَ" وإذ حَرَّضَتْهُ امرأتُهُ "هيرودِيَّا" بأَنْ يَتوجَّهَ إِلَى رُومية لكي يَطلُبَ لَقبَ مَلِكٍ غيرَ أَنَّ الْإِمبراطورَ "كليكولا" عَزَلَهُ مِنْ وظيفتِهِ ونفاهُ إِلَى "ليونَ" فِي "غاليا" لسَببِ ذنوبِهِ. وَكَانَ هيرودِسُ أحدَ القُضاةِ عِندَ مُحاكمةِ السيِّدِ المسيحِ - لهُ المَجْدُ - لِأَنَّهُ اتَّفَقَ حُضُورُهُ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي ذَلِكَ الوقتِ لعيدِ الفِصْحِ فأرسلَ بيلَاطُسُ يسوعَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ جَلِيلِيًّا تَحْتَ سُلطَّانِهِ. أمَّا هِيرودِسُ فَقَبِلَ المُخلِّصَ بكُلِّ فَرَحٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُشْتَاقًا مِنْ زَمَنٍ طَويلٍ أَنْ يَراهُ. وإذِ اشْتَهَى هِيرودِسُ أَنْ يَعْلَمَ عَنهُ شَيئًا أخذَ يَسألَهُ سُؤالَاتٍ كَثِيرةً، لكِنَّ السَّيدَ المسيحَ لَمْ يُجِبْهُ بشيءٍ عَمَّا سَألَهُ (14)، وتَرجَّاهُ أَنْ يَصْنعَ أمامَهُ آيةً فَلَمْ يَصْنعْ حَسَبَ مَا اقْتضَتْ حكمتُهُ الْإِلهيَّةُ فَهَزِأَ بهِ هُوَ وجنودُهُ فَبقِيَ يُسوعُ ساكِتًا ولَم يُجبهُ بشيءٍ.
وقَدِ اعْتَبرَ هِيرودِسُ إرسالَ بيلَاطُسَ يَسوعَ إِلَيْهِ عَلَامةَ اعتبارٍ ومحبَّةٍ. وَكَانَ ذَلِكَ وسِيلَةً لإرجاعِ الصداقةِ بينَهما وَالَّتِي كانت قَدِ انْحلَّتْ عُراها بسببِ ذبحِ بيلَاطُسَ الجَليليينَ المَذكورينَ فِي إنجيل لوقا (15).
المجدُ لكَ يَا رَبُّ، فِي مِيلَادِك العَجيبِ ألقيتَ سَلَامًا عَلَى الأرضِ، وصالحتنا مع اللَّهِ أبيكَ. وعِندَ مَوتِكَ نَزَعْتَ العداوةَ مِنْ قُلوبِ المُلوكِ، حقًّا إِنَّكَ رَئيسُ الصُّلحِ والسَّلَامِ.
إِنَّ يَسوعَ - لهُ المَجْدُ - بَعْدَ رُجوعِهِ مِنْ عِندِ هِيرودِسَ حَضَرَ مَرَّةً ثانيةً أمامَ بيلَاطُسَ الَّذِي كَانَ لَمْ يَزلْ مُصمِّمًا عَلَى إطلَاقِهِ. ثُمَّ جَلَسَ فِي هَذِهِ المَرَّةِ عَلَى كُرسيِّ القَضَاءِ رَسْمِيًّا وأعْلنَ أَنَّهُ قَدْ فَحَصَ يَسوعَ فَحْصًا دَقِيقًا فَلَمْ يَجدْ فِيهِ عِلَّةً واحدةً تَستوجِبُ المَوتَ. وقَدْ أقْرَّ أَيْضًا هِيرودِسُ بهَذَا الْإِقرارِ، ولِذَلِكَ قَالَ بيلَاطسُ إِنَّهُ سُيؤدِّبُهُ ويُطلِقُهُ، آمِلًا بِذَلِكَ أَنْ يُرضيَ أُمَّةَ اليهودِ وخُصوصًا الكَهَنَةَ. غَيرَ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ أحدٌ منهم بَلْ ارتفعَ صُراخُ الموجودينَ: اصْلِبْ لَنَا هَذَا، وأطْلِقْ باراباسَ، ومعنى اسْمِهِ "ابنُ الأبِ" وَهُوَ رَجلٌ اشْتَهَرَ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ وارتِكَابِ المَعاصِي، وَكَانَ مُلقًى فِي السِّجْنِ بالنسبةِ للمُشاغباتِ والقلَاقِلِ الَّتِي كَانَ يُحْدِثُهَا. وَإِنَّهُ قَدْ أهَاجَ المدينةَ بِعَمَلِهِ الفِتَنَ وارتكابِهِ القَتْلَ. ومِمَّا يَستْحِقُّ الالْتِفَاتَ أَنَّ بَارابَاسَ كَانَ مُجْرِمًا بذاتِ الجُرمِ الَّذِي اِدَّعى بِهِ رُؤسَاءُ الكَهَنَةِ كَذِبًا عَلَى المُخَلِّصِ، وَهُوَ الفِتْنَةُ. وبهَذَا لَا يُمكِنُ تَقْدِيمُ أكبر بُرْهَانٍ عَلَى انْحِطَاطِ وخُبْثِ تِلْكَ الأُمَّةِ أوضَحَ مِنْ بَذْلِهِمْ كُلَّ مَا فِي استطاعتِهِمْ ليَطْلُبوا مِنَ الحَاكِمِ الرُّومَانِيِّ إطْلَاقَ سَرَاحِ "بارابَاسَ" الأثِيمِ وإدانَةَ المُخلِّصِ البَارِّ. حِينئِذٍ لَمَّا رأى بيلَاطُسُ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ بالحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ، أخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قائلًا: "إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هَذَا البَارِّ. أبْصِرُوا أَنْتُمْ" (16). لَمْ يَكُنْ هَذَا القولُ مُبَرِّرًا لبيلَاطُسَ. نَعَمْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ غَسَلَ يَدَيْهِ بالمَاءِ ولَكِنَّهُ بِذَلِكَ لَمْ يَغْسِلْ قَلْبَهُ مِنَ الذَّنْبِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ للموتِ مَنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ ببراءَتِهِ بِمُجَرَّدِ صُرَاخِ الشَّعْبِ بِمَا هُوَ مُخالِفٌ لاعْتِقَادِهِ. ولَمَّا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُقْنِعَ الكَهَنَةَ والرُّؤسَاءَ أَسْلَمَ المُخلِّصَ - لَهُ المَجْدُ - ليُجْلَدَ أوَّلًا ثُمَّ ليُصْلَبَ بَعدَ ذَلِكَ.
وَكَانَ الجَلْدُ عِندَ الرُّومانِيينَ فَظِيعًا جدًّا، وَكَانَ أقْسَى كثيرًا مِنْ جَلْدِ اليهودِ؛ لِأَنَّ اليهودَ كانوا فِي ذَلِكَ يُعَرُّونَ الجُزءَ الأعلَى مِنْ جَسَدِ المَرْغُوبِ فِي جَلْدِهِ.
أَمَّا الرُّومانِيونَ فكانوا يُعَرُّونَ الجَسَدَ كُلَّهُ. وَكَانَ عَدَدُ الجَلَدَاتِ عِندَ اليَهودِ مَحْدُودًا أي أرْبَعِينَ إِلَّا واحِدَةً، وأمَّا عِنْدَ الرُّومانِيِّينَ فَبِلَا عَدَدٍ وبِقسوةٍ مُتَنَاهِيَةٍ. وكانوا يَجْلِدُونَ المُجْرِمِينَ بلَا رحْمةٍ وَلَا شَفَقةٍ، وكثيرًا مَا كَانَ يَمُوتُ البَعْضُ مِنَ المُجْرِمِينَ تَحْتَ الجَلْدِ. وَكَانَ الجَلْدُ مَمْنُوعًا عَلَى الرُّومَانِيِّينَ، وخَصُّوا بِهِ العَبِيدَ وأهْلَ البِلَادِ الَّتِي تكونُ تَحْتَ سُلْطَانِهِمْ لِأَنَّهُمْ كانوا عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ عَبِيدٍ (17). وبَعْدَمَا جُلِدَ المُخلِّصُ - لَهُ المَجْدُ - نَزَعُوا ثِيَابَهُ وألْبَسُوهُ ثَوبًا قِرْمِزِيًّا وَهُوَ مَا كَانَ يَلْبِسُهُ رُؤَسَاءُ الجَيْشِ وقَدْ أَلبَسُوهُ لِيَسوعَ اِحتقارًا لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ اِدَّعى أَنَّهُ مَلِكٌ. غَيْرَ أَنَّ مَا صنعُوهُ بالاستهزاءِ قَدْ تَعَيَّنَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ لِيَدُلَّ عَلَى مَعْنًى إلَهِيٍّ. فَإِنَّهُ قَدْ أُلْبِسَ القِرْمِزَ والأُرْجُوانَ لِأَنَّهُ غالبٌ، وقد كُلِّلَ بالشوكِ لِأَنَّهُ مَلِكُ السماءِ والأرضِ، وقد وضِعَتْ فِي يَدِهِ قصبةٌ لِأَنَّهُ قابِضٌ عَلَى صولجانِ المُلْكِ.
فبعْدَما سَخِرَ الجُندُ بِيسوعَ، ألبَسُوهُ ثِيابَهُ ومَضَوْا بِهِ إِلَى خَارِجِ المدينَةِ ليُصْلَبَ فِي المكانِ الَّذِي يُسمَّى بالعبرانيةِ جُلْجُثَةَ، ومَعنَاهُ "الجُمْجُمَةُ"، وَهُوَ عبارةٌ عن أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ مُستديرةٍ خَالِيةٍ مِنَ الصُّخُورِ والأشْجَارِ تُشْبِهُ جُمْجُمَةَ الْإِنْسانِ. وقَالَ بَعضُهُمْ سُمِّيتْ بهذا الاسمِ لِكَثرةِ مَا طُرِحَ فِيهَا مِنْ جَمَاجِمِ القَتْلَى. وقِيلَ أَيْضًا إِنَّ جُمْجُمَةَ آدمَ كانتْ مَدْفونةً هُناكَ. فَلَمَّا وصلوا بِهِ إِلَى ذَلِكَ المَكانِ أَعْطَوْهُ خَمرًا مَمْزُوجةً بِمَرَارَةٍ ليَشْرَبَ، ولَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ (18). والمُرجَّحُ أَنَّ الَّذِينَ قَدَّموا للسَّيِّدِ المسيحِ - لهُ المَجْدُ - هَذَا الشرابَ هُمْ مِنَ اليَهودِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ عَوائِدِ الرُّومَانِ وَلِأَنَّ اليَهودَ كانوا يَتَبَرَّعُونَ بِهِ لِكُلِّ مَحكُومٍ عَلَيْهِ بالموتِ عِندَ قَتْلِهِ؛ وَلِأَنَّ الرَّبَّانِيِّينَ أعلنوا أَنَّهُ مِنْ أعمالِ التقوى والبرِّ، بِناءً عَلَى قَوْلِ الحكيمِ: "أَعطُوا مُسْكِرًا لهالكٍ، وخمرًا لِمُرِّي النَّفْسِ يَشْرَبُ ويَنْسَى فَقْرَهُ، ولَا يَذكُرُ تَعَبَهُ بَعدُ" (19)، ويَظهرُ أَنَّ السيِّدَ المسيحَ - لَهُ المَجدُ - ذاقَهُ إكرامًا لِمَنْ أَسْدَى لَهُ هَذَا المَعْرُوفَ بإعْطَائِهِ إيَّاهُ، ولَكِنَّهُ أبى أَنْ يَشْرَبَهُ لِأَنَّهُ فَضَّلَ أَنْ يَكونَ لَهُ الحِسُّ التامُّ بآلَامِهِ، ولَمْ يَشَأْ أَنْ يُعَكِّرَ صَفَاءَ عَقْلِهِ ليُكَابِدَ جَمِيعَ آلَامِ الصَّلْبِ وَهُوَ فِي حَالَةِ الصَّحْوِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الكأسُ الَّتِي أعْطَاهُ الآبُ لِيَشْرَبَها.
أمَّا الشَّرَابُ فكَانَ مِنَ الأعْشَابِ المُرَّة كالأفْسَنْتِينَ وأمْثَالِهِ مَمْزُوجٌ بِنَقِيعِ بِزْرِ الخَشْخَاشِ وخَمْرٍ حَامِضٍ يَخْتَلفُ عَنِ الخَلِّ قليلًا وغايتهُم مِنْ مَزْجِ الخَمْرِ بِهِ لِيكونَ شَدِيد التَأثير حتى أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ مَا يأخُذُ مِنهُ المصْلُوبُ لَا يَدْري وَلَا يَشعرُ إِنْ كَانَ ميتًا أو حيًّا.
"حِينئِذٍ صَلَبُوا يَسوعَ". كَانَ الصَّلْبُ عِندَ الرُّومَانِيِّينَ مِنْ أشدِّ العذاباتِ المُبرحةِ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشْهِيرِ والعارِ الَّذِي يَلحَقُ بالشّخصِ المصلُوبِ، والآلَاماتِ الشديدةِ حيثُ يَبقَى المصْلُوبُ مُعلّقًا ثلَاثةَ أيَّامٍ أو أكثرَ فَيعتريهِ جُوعٌ وأَرَقٌ وحُمَّى مِنَ التهابِ الجِرَاحِ؛ لِأَنَّ المصلوبَ كَانَ يُوضَعُ فِي وَضعٍ بحيثُ أَنَّ أدنَى حَرَكةٍ يأتيها تُسَبِّبُ لَهُ ألَمًا شَديدًا جِدًّا فِي كُلِّ أجزاءِ الجِسمِ مِنْ شِدّةِ المَسامِيرِ فِي اليديْنِ والرِّجْلَيْنِ. وكذا الدمُ الَّذِي يَتجمَّعُ فِي الرّئتيْنِ ويَضغطُ عَلَى القلبِ، كَانَ يُسبِّبُ ألَمًا شديدًا لَا يُحتَمَلُ ولَا يُطاقُ مصحوبًا بعَطشٍ شديدٍ وَكَانَ الصَّلْبُ لَعنةً، حتى أَنَّ الرُّومانَ لَمْ يُقاصُوا بِهِ البَتَّةَ الرَعَايَا الرُّومَانِيِّينَ، بَلْ كانوا يُعَاقِبونَ بِهِ الأَرِقَّاءَ واللُّصوصَ والعُصاةَ والمُجرمينَ.
والصَّلْبُ أصلًا كَانَ فِي بلَادِ الفُرْسِ وعَاقَبَ بِهِ كُلٌّ مِنَ المصْريِّينَ واليُونَانِيِّينَ والرُّومَانِيِّينَ. فاسكندر الكبير عند افتتاحِهِ مدينةَ صُورٍ صَلَبَ مِنْ أهلها ألفَيْنِ. والرُّومَانِيُّونَ لَمْ يُوقِّعوا عَلَى رومانيٍّ حُكْمَ الموتِ بالصَّلْبِ. بَلْ خَصُّوا بِهِ العَبيدَ ومَنْ يَرتكبُ أشَرَّ الآثامِ وأهْلَ الولَاياتِ الَّتِي استولوا عَلَيْهَا لِأَنَّهُمْ يحسبونَهم كالعبيدِ. "وكراسبوس" القَائِدُ الرُّومَانِيُّ سيَّج الطَّريقَ مِنْ مَدينةِ "كبيو" إِلَى مَدينةِ "رومية" بصُلْبَانِ العَبيدِ الَّذِينَ عَصَوُا الدولةَ الرُّومَانِيَّةَ. وصَلَبَ " أغسطسُ قيصرُ " سِتَةَ آلَافِ عبدٍ فِي جَزيرةِ صقليةَ أي "سيسليا" لِأَنَّهُم عَصَوُهُ. وكانتِ العَادةُ أَنْ يَحْمِلَ المَحكومُ عَلَيْهِ بالصَّلْبِ إعلَانَ العِلَّةِ الَّتِي صُلِبَ لأجْلِهَا حتى إذا وَصلُوا مَحَلَّ الصَّلْبِ، هُناكَ يُوضعُ فوقَ رأسِهِ. فكانتْ عِلَّةُ السَّيِّدِ المسيحِ عِندُ بيلَاطُسَ: "هَذَا هُوَ يَسوعُ مَلِكُ اليَهودِ". وكَتَبَ هَذَا العنوانَ بثلَاثِ لُغاتٍ كانت شائعةً فِي سوريَّا وَقْتئذٍ وهيَ: العبرانيةُ واليونانيةُ واللَاتينيةُ. وقَصَدَ بِيلَاطُسُ بِذَلِكَ العنوانِ تَعييرَ اليَهودِ بصلْبِ ملِكِهِمْ والتشهيرِ بِهِمْ. فاعْتَرَضَهُ الرُّؤساءُ عَلَى مَا كَتَبَ فَلَمْ يُبَالِ بِهِمْ ولَمْ يُذْعِنْ لِقَوْلِهِمْ. بَلْ قَالَ مَا كُتِبَ فَقَدْ كُتِبَ. فَمَا لقَّبَ المجوسُ بِهِ السيِّدَ المَسيحَ عِندَ مِيلَادهِ تَمْجِيدًا لَهُ، لَقَّبهُ بِهِ أَيْضًا بِيلَاطُسُ عِندَ مَوْتِهِ.
وقَدْ اُثْخِنَ جَسَدُهُ بالجِراحِ مِنْ جَرَّاءِ حَمْلِ الصَّلِيبِ الضَخْمِ الثَّقِيلِ سائرًا بِهِ فِي شوارعِ أُورُشَلِيمَ بَيْنَ سُخْريَةِ الجَمْعِ، وإهانَةِ الخُصُومِ وتَهكُّمِ السَّفَلةِ وشتائمِ الأجْلَافِ وتَشَفِّي الأعْداءِ. يَئنُّ تَحْتَهُ أنِينَ المُحتَضِرِ فَيَقَعُ تَارَةً عَلَى الحِجَارَةِ ويَنْهَضُ أُخْرَى. خَائِرَ القُوَى، شَاحِبَ الوَجْهِ، دامِيَ الأعضاءِ، حتى بَلغَ مَذْبَحَ الجُلْجُلَةِ. وهناكَ جَرَى مَقْتلُهُ بِحِرَابِ المساميرِ عَلَى الصليبِ. فَتَأثَّرَتِ الطَّبِيعَةُ مِنْ هَوْلِ هَذَا المنظرِ. الشَّمْسُ حَجَبَتْ نُورَها بغيرِ أوانٍ خَجلًا مِنْ أَنْ تَرَى مُبدِعَهَا مُعلَّقًا عَلَى الصَّليبِ عَاريًا. والخليقةُ تَتفَرَّسُ فِيهِ مِثلُ حامٍ الوقِحْ. والأرضُ تَزلزلتِ اضْطِرابًا. والصُّخُورُ تَشقَّقتِ التياعًا عَلَى ربِّ المَجْدِ. ولِسانُ حالِها يَقولُ: دَعْنِي أبتلعُ الأشرارَ كَمَا ابتلعتُ قورحَ وداثانَ وأبيرامَ (20).
"ومِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صارتْ ظُلمةٌ عَلَى الأرضِ كُلِّها". فكانَتْ هَذِهِ الظُلمةُ معجزةً لِأَنَّهُ لَا يُمكنُ أَنْ يَحصُلَ كُسوفٌ للشمسِ إِلَّا والقمرُ هلَالٌ. وَكَانَ يومَئذٍ اليومَ الخامسَ عشرَ مِنَ الشهرِ. وَكَانَ القمرُ بَدرًا وَكَانَ هَذَا الكسوفُ كُلِّيًا لَا جزئيًا. فلَبِسَ العالَمُ كُلُّهُ أثوابَ الحِدادِ حُزنًا عَلَى خالقِ الكونِ، ومُدَبِّرِ المسكونَةِ، ونورِ العَالَمِ وشمسِ البِرِّ.
وَمَا صَلْبُ اليهودُ لَهُ بأقلِّ قسوةٍ مِنَّا. فمِنَّا مَنْ أزادَ صليبَهُ ثِقْلًا. ومِنَّا مَنْ هَزَأَ به أكثرَ مِنْ هيرودِسَ. ومِنَّا مَنْ باعَهُ بأشدِّ خيانةٍ من يهوذا. ومِنَّا مَنْ جَلَدهُ بأفظعِ قساوةٍ مِنَ الشرطةِ. ومِنَّا مَنْ غَرَزَ فِي هامتِهِ أشواكًا أحَدَّ من إكليلِ صالبِيهِ. ومِنَّا مَنْ زادَ مساميرَ صلبِهِ عددًا. ومِنَّا مَنْ طَعَنَهُ، لَا بحربةٍ كقاتِلِيه، بل بِحِرَابِ الخطايا والذّنوبِ.
يا مَنْ ألهَمَ اللِّصَّ اليمينَ التوبةَ، وهَداهُ إِلَى سُبُلِ الرَّشادِ، أنِرْ عيونَ قلوبِنا فنرى شناعةَ الخطيةِ، ونرجِعَ عنها نادمينَ عَلَى مَا فَرَطَ مِنَّا مِنَ المعاصي والشرورِ.
وَفِي وقتِ السَّاعَةِ التاسِعَةِ صَرخَ يَسوعُ بصوتٍ عَظيمِ قائلًا: "إيلِي إيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي" لفظةٌ عبرانيةٌ مُكرَّرةٌ معناها: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" (21). وجاءَ فِي إنجيل مُعلِّمِنا مرقسَ: "إِلُوِي إِلُوِي" وَهَذَا اللّفظُ مثلُ "إيلِي إيلِي". إِلَّا أَنَّ مُعلِّمنا مرقسَ نَقَلهُ بلفظهِ السُّريانِيِّ كَمَا نطقَ بِهِ السَّيِّدُ المَسيحُ - لَهُ المَجْد - إِنَّ هَذِهِ الكآبةَ المريرةَ الَّتِي اضْطَرَّتْ مُخلِّصَنا - لهُ المَجْد - إِلَى هَذَا الصُّراخِ المُرهِبِ: "إلهي إلهي لماذا تَركتَني". هِيَ شناعةُ الخطيةِ الَّتِي ارتَكبَها الْإِنسانُ وقيامُه نيابةً عنَّا أمامَ العدلِ الْإِلهيِّ ليفيَهُ حقَّهُ، إذْ ذاقَ الموتَ عَنْ جميعِ الناسِ (22)، وَلِأَنَّه جُعِلَ وَهُوَ لَمْ يَعرفْ خطيَّةً، خطيَّةً لأجلنا، لِنَصِيرَ نَحنُ بِرَّ اللَّهِ فِيهِ (23). وَهَذَا إتمامًا لقولِ إشَعياءَ النبيِّ: "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بأَنْ يَسْحَقَهُ بالحَزَنِ، أَنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إثْمٍ" (24). "وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثامِنَا. تَأدِيبُ سَلَامِنَا عَلَيْهِ، وبِحُبُرِهِ شُفِينَا" (25)، وَكَمَا قالَ مُعلِّمُنا بطرسُ الرسولُ أَيْضًا: "تَألَّمَ مَرَّةً واحِدَةً مِنْ أجْلِ الخَطايَا، البَارُّ مِنْ أجْلِ الأثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللَّهِ" (26). وبعد ذَلِكَ: "صَرَخَ يَسُوعُ أَيْضًا بِصوتٍ عَظِيمٍ، وأَسْلَمَ الرُّوحَ" (27). وَلَعَلَّ هَذَا الصُّراخَ كَانَ هُتافَ الفرحِ لِأَنَّهُ أكملَ عَمَلَ الفداءِ.
بعْدَمَا أَكَلَ مُخلِّصُنا - لَهُ المَجْدُ - الفِصْحَ مع تلَاميذِهِ بأورشليمَ، سبَّحوا وخَرَجوا إِلَى جبلِ الزَّيتونِ إِلَى عَبرِ "وادي قَدرونَ"، وَكَانَ هَذَا الوادي عميقًا، ويُسمَّى "بالوادي الأَسْوَدِ". وَكَانَ موقِعُهُ بين أورُشليمَ وجبلِ الزيتونِ. يبتدئُ عَلَى بُعد ميلٍ ونِصفِ الميل إِلَى الشِّمالِ الغربيِّ مِنْ أُورُشليمَ ويَسيرُ إِلَى الجنوبِ الشرقيِّ إِلَى أن يَصلَ إِلَى زاويةِ السورِ الشِّماليةِ الشرقيةِ. ثُمَّ ينحَدِرُ شرقِيَّ المدينةِ. ويُسمَّى أَيْضًا "وادي يهوشافاط" وَهُوَ بَينَ سُورِ المدينةِ مِن الجانبِ الغربيِّ وجَبلِ الزَّيتونِ وتلِّ المعصيةِ مِنَ الجانبِ الشرقيِّ ثُمَّ يَنحدِرُ إِلَى "مار سابا" حيث يُسمَّى "وادي الرّاهبِ". ومِنْ ثَمَّ يمتدُّ إِلَى بحرِ لوطٍ وهناك يُسمَّى "وادي النَّارِ". ويُسمَّى أَيْضًا بوادي الأَرْزِ. وَفِي هَذَا الوادي أُحرِقَتْ تماثيلُ مَعْكَةَ (1)، وطُرِحَتْ جَميعُ أدواتِ العِبَادَةِ البَاطِلَةِ الَّتِي تَنَجَّسَ بِها هَيكلُ الرَّبِّ (2). ثُمَّ صَارَ ذَلِكَ الوادي مكانًا للمقَابرِ. ومِمَّا يُذكَرْ أَنَّهُ عَبَرَ هَذَا الوادي داودُ لَمَّا هَرَبَ مِنْ وَجْهِ ابنِهِ أبْشَالُوم (3). وكَذَلِكَ السيدُ المسيحُ عِندما ذهبَ إِلَى جِثْسيْماني (4)، وَهُوَ عَالِمٌ أَن يهوذا كَانَ يعرفُ هَذَا المكانَ لَم يُرِدْ أَن يختفيَ بعدُ، بل كَانَ مُستعدًّا أَنْ يُقدِّمَ ذاتَهُ كفارةً عن خطايا العالَمِ. حتى إِنَّهُ لَم ينتظرِ الجندَ ليسألوهُ مَنْ هُوَ، بَلْ سبَقَهُم وخرجَ لاستقبالِهم وسألهُم مَنْ تطلبونَ؟ وَكَانَ ذَلِكَ فِي نصفِ اللَّيلِ مِن ليلةِ الجمعةِ الموافقةِ الخامسَ عَشَر مِنْ نِيسانَ.
ولَمَّا قَبضَ الجُندُ عَلَى المُخلِّصِ - لهُ المَجْدُ - ورأى التلَاميذُ أَنَّ مُعلِّمَهم قد أُوثِقَ وأُخِذَ تركُوهُ وهَرَبوا، غيرَ أَنَّ اثْنَيْنِ مِنهُمْ سَكنَ رَوْعُهُمْ وهُما بطرسُ ويوحنا وتَبِعا الجمعَ إِلَى دارِ رئيسِ الكهنةِ، إِلَى "حنَّانَ" الَّذِي كَانَ حَمَا "قَيَافَا". وَكَانَ مِن عادةِ أعضاءِ ذَلِكَ المجلسِ أَن يَجتمعوا فِي إحدى ديارِ الهيكلِ، ولَكنْ كَانَ يجوزُ لَهُم الاجتماعُ فِي دارِ رئيسِ الكهنةِ. وَلَعَلَّ غايةَ اجتماعِهِمْ هَذَا إخفاءُ مشورتِهِم عَنِ الشَّعبِ، لِأَنَّ ديارَ الهيكلِ كانت فِي ذَلِكَ الوقتِ غاصَّةً بالنَّاسِ بالنسبةِ لأَيَّامِ الفِصْحِ.
وأمَّا وظيفةُ رئيسِ الكهنةِ فأوَّلُ من تَولَّاها هَارُونُ (5)، وَكَانَ يَرِثُها الأكبرُ من سُلَالتِهِ فِي القرونِ الأولى من تاريخِ الْإِسرائيليينَ (6)، ولَمَّا استولى عَلَيْهِمْ مُلُوكُ اليونانِ صاروا يبيعونَ لَهُم تلكَ الوظيفةَ لِمَنْ يدفعُ فِيهَا ثَمنًا وافِرًا. وبعدَ أَنِ استولى عَلَيْهِمِ الرومانيونَ أخذوا يَعزلونَ الرئيسَ ويُقِيمُونَ غيرَه كَمَا يريدونَ، غيرَ مُراعِينَ أهلِيَّةَ ومَقدِرَةَ الشخصِ المرغوبِ فِيهِ. واستمرَّتْ هَذِهِ العادةُ الممقوتةُ من عصرِ "هيرودِسَ الكبيرِ" إِلَى زمانِ خرابِ أورُشليمَ. ويَظهرُ أَنَّ "حنَّانَ" كَانَ ذا سطوةٍ قويّةٍ وجاهٍ عظيمٍ حتى تَحَصَّلَ عَلَى رِئاسَةِ الكَهَنَةِ ليسَ لابنِهِ "أليعازرَ" وصِهْرِهِ "قَيَافَا" فقط، بَلْ لأربعةٍ آخَرِينَ مِنْ بَنِيهِ، وَكَانَ يُلقَّبُ كُلُّ مَنْ أخَذَ تِلْكَ الوَظِيفَةَ برئِيسِ الكَهَنَةِ ويَجْلِسُ فِي المَجْلِسِ الكَبِيرِ طُولَ أيَّامِ حَيَاتِهِ ولَو عُزِلَ. وَهَكَذَا جَرَى مَعَ "حَنَّانَ" فإِنَّهُ دُعِيَ رئِيسَ الكَهَنَةِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ معزولًا مِنْ وظيفتِه قَبْلَ الصَّلْبِ بأربعِ سنواتٍ. وَقُدِّمَ اسْمُهُ عَلَى اسْمِ "قَيَافَا" لِأَنَّهُ أكبَرُ مِنهُ سِنًّا وأقْدَمُ فِي الوظِيفَةِ ولَهُ خِبْرَةٌ واسعةٌ بالأحوالِ، فلَمَّا أمْسَكَ اليهودُ السيِّدَ المسيحَ - لهُ المَجْدُ - قَدَّموهُ أَوَّلًا إِلَى "حَنَّانَ" اسْتِجْلَابًا لِمُصَادَقتِهِ وإرضائِهِ عمَّا فَعَلوا، ومِنْ ثَمَّ أخذوا السيدَ - لهُ المَجْدُ - مُوثَقًا إِلَى "قَيَافَا".
وَكَانَ "قَيَافَا" اسمُهُ "يوسِفُ" كَمَا ذكر "يوسيفوسُ" المؤرِّخُ وَكَانَ حاضرًا وقتَ القضاءِ عَلَى السيدِ المسيحِ بالصَّلْبِ، وَهُوَ صَدُّوقيُّ المذهبِ وَكَانَ صِهْرَ "حنَّانَ". وَكَانَ "قيافا" رئيسًا للكهنةِ، ولذا قالَ: "خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ يَمُوتَ واحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلَا تَهلِكُ الأُمَّةُ كُلُّها". وعَزَلهُ "فيتاليوس أوفالوريوس" سِلفُ "بيلَاطُس البنطي" الوالي الرومانيّ. وَكَانَ ذَلِكَ بعد صَلْبِ السيدِ المسيحِ - لهُ المَجْدُ - بستِّ سنينَ.
واجتمعَ أعضاءُ مجمعِ السبعينَ وعقدوا جلسةً استعداديةً غَيْرَ رَسْمِيَّةٍ. وَلَا بُدَّ أَنَّ مُخلِّصَنا فُحِصَ أَوَّلًا أمام "قَيَافَا" لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ "حنَّانُ" بعدَ نِصفِ الليلِ بِقَلِيلٍ، وبَقِيَ مُخلِّصُنا - لهُ المَجْدُ - أمامَ " قَيَافَا " وحدَهُ وأمامَ أعضاءِ المَجْمَعِ إِلَى قُرْبِ الفَجْرِ أو وقتِ صِياحِ الدِّيكِ. وَفِي أثناءِ ذَلِكَ أنكرَ بطرسُ السيّدَ المسيحَ ثلَاثَ مراتٍ ثُمَّ استهزأوا به، ولَمَّا كَانَ النَّهارُ اجتمَعَ المجمعُ الكبيرُ فِي صباحِ يومِ الجمعةِ فِي الهيكلِ، وَأَثْبَتَ حُكمَ الجلسةِ السابقةِ غَيْرِ الرَّسْمِيَّةِ، الَّتِي عُقِدَتْ فِي الليلِ فِي دارِ رَئِيسِ الكَهَنَةِ لِأَنَّ الحُكمَ عَلَى يسوعَ بالموتِ فِي هَذِهِ الجلسةِ باطلٌ، وَلَا يُعتَبرُ إِلَّا مُجَرَّدَ تصريحٍ برأيِ الأعضاءِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُخَالِفًا لشريعةِ اليهودِ أَنْ يُجْرَى فَحْصُ جِنَايةٍ فِي الليلِ، وللشريعةِ الرُّومانية أَنْ يَصْدُرَ حُكمٌ قَبْلَ الفَجْرِ.
ويَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ غَضَبَ رُؤسَاءِ الكَهَنَةِ كَانَ شَديدًا عَلَى يسوعَ - لهُ المَجْدُ - فاجْتَمَعُوا فِي اللَّيلِ لكي يَخْتَرِعُوا عَلَيْهِ تُهَمًا مُلَفَّقَةً لإماتَتِهِ. فَسألَهُ رَئِيسُ الكَهَنَةِ:
"أأَنْتَ هُوَ المسيحُ ابنُ اللَّهِ؟". فَلَمَّا أجَابَ يَسُوعُ عَلَى السؤالِ تَظَاهَرَ قَيَافَا بالاشْمِئْزَازِ والامتِعاضِ مِنْ جَوابِهِ وحَسِبَهُ تَجْدِيفًا، وقَالَ إِنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى
شُهُودٍ بَعْدُ، فَحَكَمُوا عَلَيْهِ بالْإِجماعِ بالموتِ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَلَا لِرُؤَسَائِهِمْ قُوَّةُ تَنفِيذِ هَذَا الحُكمِ.
أخَذُوا يسوع إِلَى بيلَاطسَ الحَاكِمِ الرومانيِّ لكي يَأمُرَ بصَلْبِهِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ المَجْمَعَ الكبيرَ كَانَ لَهُ وحْدَهُ الحَقُّ الشَرْعِيُّ فِي الحُكْمِ عَلَى الدَّعَاوِي الجِنائِيَّةِ الَّتِي تَسْتَوجِبُ القَصَاصَ، ولكنَّ الحكومةَ الرُّومانِيَّةَ كانتْ قَدْ نَزَعَتْ مِنْهُ ذَلِكَ السُّلْطَانَ قَبْلَ هَذَا الوقتِ بعدَّةِ سِنِينَ.
فَمَزَّقَ رَئِيسُ الكَهَنَةِ ثِيَابَهُ، وَهَذِهِ هِيَ العلَامةُ المألوفَةُ للحُزْنِ عِنْدَ اليَهُودِ، وقَصَدَ بها رئيسُ الكَهَنةِ أَنْ يُظهِرَ اشْمِئْزَازَهُ مِنْ فَظَاعَةِ التَّجْدِيفِ فِي وجودِهِ. فشَهِدَ عَلَى يسوعَ بأَنَّهُ جدَّفَ ليَصِلَ إِلَى تَتْمِيم بُغْيَتِهِ الشِّرِّيرَةِ، وَإِنَّهُ قَدْ زَادَ إثْمُهُ بتمزيقِهِ ثيابَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مُوجَبِ شريعةِ مُوسى كَانَ لَا يَجُوزُ لِرَئيس الكَهَنَةِ أَنْ يُمَزِّق ثِيَابَهُ (7)، ومِنْ ذَلِكَ الحِينِ قَدْ نُزِعَتْ مِنَ الأُمةِ اليهوديةِ وظيفةُ الكهنوتِ. وَكَانَ عَلَى أعضاءِ المجلسِ أَنْ يَنْظُروا فِي دَعْوَاهُ، لِيَعْلَمُوا أحقٌّ كُلُّ مَا قَالَهُ السَّيِّدُ - لهُ المَجْدُ - أمْ لَا، ولكنَّهم صَرفُوا أذهانَهُمْ عن سَمَاعِ الحقِيقَةِ، وقَرَّروا تنفِيذَ الحكمِ عَلَيْهِ بالموتِ رَجْمًا، بمُقتضَى شَريعةِ مُوسَى الَّتِي أَمَرَتْ برَجْمِ المُجدِّفِ (8)، وَكَانَ غَرَضُ أعضاءِ المجلسِ أَنْ يَأمُرُوا النَّاسَ برَجْمِ يَسُوعَ عَلَى رَغْمِ الحُكَّامِ الرُّومانيين، كَمَا فَعَلُوا بَعدَ ذَلِكَ باستفانُوسَ. ولكنَّهُم لَمْ يَفْعَلُوا هَذَا خَوفًا مِنْ أَنْ يُدافعَ الكَثيرونَ مِنَ الشَّعْبِ عَنْ يَسُوعَ ويُنْقِذُوهُ مِنْ أيديهِمْ. وَأَيْضًا كَانَ القَانُونُ عِنْدَ الرُّومَان يَقْضِي فِي مثلِ هَذِهِ الحالَاتِ عَلَى المُجدِّفِ بالمَوْتِ صَلْبًا، فلم يقدِرِ المجمعُ أَنْ يُنفِّذَ مَا فِي نفسِهِ، وَهَذِهِ هِيَ عِلَّةُ السَّيِّدُ - لهُ المَجْدُ - أَنْ يَمُوتَ بالجَسَدِ صَلْبًا لَا رَجْمًا. فأوثقوهُ وأَتَوْا بهِ إِلَى بيلَاطُسَ كَمَا يَنُصُّ جميعُ البَشِيِرينَ. وَكَانَ المقصودُ من ذهابِهِمْ إِلَيْهِ هُوَ التَّصديقُ عَلَى حكمِهِمْ. حينئذٍ لَمَّا رأى يهوذا أَنَّهُ قد دينَ نَدِمَ، وردَّ الثلَاثينَ من الفضةِ (9).
ولَمَّا أُرْسِلَ المُخَلِّصُ - لهُ المَجْدُ - فِي المَرَّةِ الأولى إِلَى الوالي الرُّومانيِّ صَحِبَهُ كُلُّ المَجْمَعِ الكَبِيرِ (10)، وَلَا بُدَّ أَنَّهُمْ كانوا يَقْصِدُونَ مِنْ تَجَمْهُرِهُمْ هَذَا والذهابِ به فِي الصَّباحِ بِمَوْكِبٍ حافلٍ مِنْ أدنِياءَ وكُبَراءَ كي يُمَوِّهُوا عَلَى عَقْلِ بيلَاطُسَ، ويُقْنِعُوهُ بأَنَّهُ قَدِ ارتكَبَ جِنَايةً مِنْ أفْظعِ وأشْنَعِ الجِنايَاتِ الَّتِي لَمْ يُسْمَعْ بِمثلِها مُبَالِغِينَ فِي إدانَتِهِ. ولما أُخْبِرَ بيلَاطُسُ بأَنَّ أعضاءَ المَجْلِسِ الكبيرِ أَتَوْهُ بِمُذنِبٍ، وَأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَدْخُلوا إِلَى الوالي فِي دارِ الوِلَايةِ تَبَعًا للشَّريعةِ الَّتِي تُحرِّمُ عَلَيْهِمْ دخولَ بيوتٍ فِيهَا خميرٌ، فَدَفَعُوا بيسوعَ إِلَى بيلَاطُسَ وهُمْ لَبِثوا بإزاءِ البابِ فِي الطريقِ، ولَمْ يدخلوا لِئَلَّا يتنجَّسُوا فيمتَنِعُوا عن أكلِ الفصحِ. خَرَجَ هُوَ لِمُقَابَلَتهِمْ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُمْ كانوا يطمَعُونَ فِي إثباتِ حُكمِهِم حالًا بدونِ ذِكْرِ الأسْبَابِ الَّتِي دانَهُ عَلَيْهَا المَجْمَعُ الكبيرُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ خَابَ أَمَلُهُمْ عِندَ سؤالِ بيلَاطُسَ لَهُمْ: أيَّةَ شِكايَةٍ تُقدِّمونَ عَلَى هَذَا الْإِنسانِ؟ فاضْطُرُّوا إِلَى أَنْ يُقرِّرُوا الذَنْبَ المَوهُومَ. وأسفَرتِ النَّتِيجَةُ عَنْ أَنَّ بِيلَاطُسَ أعْلَنَ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِيهِ عِلَّةً يَسْتَوجِبُ عَلَيْهَا المَوْتَ. وبِيلَاطُسُ هَذَا كَانَ يُلَقَّبُ بالبُنْطِيِّ ولَمَّا كَانَ " أرخيلَاوُسُ ابنُ هيرودسَ الكبيرِ " آخِرَ مَلِكٍ عَلَى اليهوديَّةِ الَّذِي نُفِيَ مِن حُكْمِهِ سَنةَ سِتٍّ للميلَادِ، فَمِنْ ذَلِكَ الوقتِ أخَذَ قيصرُ يُقيمُ عَلَى اليهوديةِ الوَلَاةَ. وَكَانَ بيلَاطُسُ سادِسَ والٍ عَلَى اليهوديةِ عَيَّنهُ "طيباريُوسُ قَيْصَرُ"، فَتَولَّى اليهوديةَ عَشْرَ سِنينَ: سِتًا قَبْلَ صَلْبِ السيدِ المسيحِ، وأرْبَعًا بَعْدَ قِيامَتِهِ. وَكَانَ قَاسِيًا ظَالِمًا سَرِيعَ التَّقلُّبِ لَا يَسْعَى إِلَّا لِمَنَافِعِهِ الشَخْصِيَّةِ، وَلَا يَكْتَرِثُ بِصَالِحِ الآخرين وكثيرًا مَا عَصَاهُ اليَهودُ فَسَفَكَ دِمَاءَ كَثِيرينَ مِنْهُمْ إخمادًا لِفِتَنِهِمْ، فَأبْغَضُوهُ أَشَدَّ البُغْضِ وشَكَوْهُ عِدَّةَ مَرَّاتٍ لِقَيْصَرَ. إِلَّا أَنَّهُ كَانَ بَصِيرًا فِي بَيَانِ الحَقِّ والعَدْلِ لَكِنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ قُوَّةُ الشَّجَاعةِ ليُنصِفَ المظلومَ. فكَانَ يَكْرَهُ اليَهودَ ويُبغضُهُمْ لَكِنَّهُ كَانَ يَخْشَى شَكواهُمْ إيَّاهُ للإمبراطورِ. فَعُزِلَ مِنْ ولَايتِهِ فِي الوقتِ الَّذِي عُزِلَ فِيهِ قَيَافَا من كهنوتِهِ. وَكَانَ مَرْكَزُ الوالي فِي قَيْصَرِيَّةَ عَلَى شاطئِ بحرِ الرُّومِ (11). وَكَانَ يَذهَبُ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي أيَّامِ الأعْيَادِ العَظِيمَةِ لِيَمْنَعَ الشَّغَبَ والتشويشَ الَّذِي كَانَ يَحْدُثُ مِنَ الجَمْعِ ويُجْرِي الأحْكَامَ. وَكَانَ مَنْزِلُ الوالِي فِي أُورُشَلِيمَ فِي القَصْرِ الَّذِي يُسَمَّى قَصْرُ "هيرودِسَ الكبيرِ" عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ.
وإذْ كَانَ بيلَاطُسُ حَائِرًا ماذا يفعلُ لِيتخلَّصَ مِنْ إدانةِ السَّيِّدِ - لهُ المَجْدُ - فلمّا سَمِعَ ذِكرَ الجَليلِ بطريقِ العَرْضِ خطرَ فِي بالهِ أَنَّهُ يُمكنُهُ أَنْ يُخْلِيَ نَفْسَهُ مِنْ هَذِهِ المسئُولِيَّةِ بإرسَالِهِ إِلَى "هيرودِسَ أنتيباسَ" رئيسِ الرُّبْعَ فِي الجَليلِ (12) الَّذِي حَكَمَ اثنيْنِ وأربعينَ سنةً: أربعةً منها قَبْلَ صَلْبِ السَّيِّد المسيح والبَاقِيَ بعدَ صَلْبِهِ. وَكَانَ ثاني أبناءِ هيرودِسَ الأكبرِ مِنِ امرأتِهِ الرابعةِ "مِلثاكي" وَكَانَ مثلَ أبيهِ راغبًا فِي المجدِ والعَظمةِ ورَغْدِ العَيشِ وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ ربُّنا ثعلبًا (13). وقد أنفقَ كأبيهِ مبالغ طائلةً فِي المباني العموميَّةِ فَبَنَى طَبَرِيَّةَ إكرامًا للإمبراطورِ "طيباريوسَ قيصرَ" وإذ حَرَّضَتْهُ امرأتُهُ "هيرودِيَّا" بأَنْ يَتوجَّهَ إِلَى رُومية لكي يَطلُبَ لَقبَ مَلِكٍ غيرَ أَنَّ الْإِمبراطورَ "كليكولا" عَزَلَهُ مِنْ وظيفتِهِ ونفاهُ إِلَى "ليونَ" فِي "غاليا" لسَببِ ذنوبِهِ. وَكَانَ هيرودِسُ أحدَ القُضاةِ عِندَ مُحاكمةِ السيِّدِ المسيحِ - لهُ المَجْدُ - لِأَنَّهُ اتَّفَقَ حُضُورُهُ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي ذَلِكَ الوقتِ لعيدِ الفِصْحِ فأرسلَ بيلَاطُسُ يسوعَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ جَلِيلِيًّا تَحْتَ سُلطَّانِهِ. أمَّا هِيرودِسُ فَقَبِلَ المُخلِّصَ بكُلِّ فَرَحٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُشْتَاقًا مِنْ زَمَنٍ طَويلٍ أَنْ يَراهُ. وإذِ اشْتَهَى هِيرودِسُ أَنْ يَعْلَمَ عَنهُ شَيئًا أخذَ يَسألَهُ سُؤالَاتٍ كَثِيرةً، لكِنَّ السَّيدَ المسيحَ لَمْ يُجِبْهُ بشيءٍ عَمَّا سَألَهُ (14)، وتَرجَّاهُ أَنْ يَصْنعَ أمامَهُ آيةً فَلَمْ يَصْنعْ حَسَبَ مَا اقْتضَتْ حكمتُهُ الْإِلهيَّةُ فَهَزِأَ بهِ هُوَ وجنودُهُ فَبقِيَ يُسوعُ ساكِتًا ولَم يُجبهُ بشيءٍ.
وقَدِ اعْتَبرَ هِيرودِسُ إرسالَ بيلَاطُسَ يَسوعَ إِلَيْهِ عَلَامةَ اعتبارٍ ومحبَّةٍ. وَكَانَ ذَلِكَ وسِيلَةً لإرجاعِ الصداقةِ بينَهما وَالَّتِي كانت قَدِ انْحلَّتْ عُراها بسببِ ذبحِ بيلَاطُسَ الجَليليينَ المَذكورينَ فِي إنجيل لوقا (15).
المجدُ لكَ يَا رَبُّ، فِي مِيلَادِك العَجيبِ ألقيتَ سَلَامًا عَلَى الأرضِ، وصالحتنا مع اللَّهِ أبيكَ. وعِندَ مَوتِكَ نَزَعْتَ العداوةَ مِنْ قُلوبِ المُلوكِ، حقًّا إِنَّكَ رَئيسُ الصُّلحِ والسَّلَامِ.
إِنَّ يَسوعَ - لهُ المَجْدُ - بَعْدَ رُجوعِهِ مِنْ عِندِ هِيرودِسَ حَضَرَ مَرَّةً ثانيةً أمامَ بيلَاطُسَ الَّذِي كَانَ لَمْ يَزلْ مُصمِّمًا عَلَى إطلَاقِهِ. ثُمَّ جَلَسَ فِي هَذِهِ المَرَّةِ عَلَى كُرسيِّ القَضَاءِ رَسْمِيًّا وأعْلنَ أَنَّهُ قَدْ فَحَصَ يَسوعَ فَحْصًا دَقِيقًا فَلَمْ يَجدْ فِيهِ عِلَّةً واحدةً تَستوجِبُ المَوتَ. وقَدْ أقْرَّ أَيْضًا هِيرودِسُ بهَذَا الْإِقرارِ، ولِذَلِكَ قَالَ بيلَاطسُ إِنَّهُ سُيؤدِّبُهُ ويُطلِقُهُ، آمِلًا بِذَلِكَ أَنْ يُرضيَ أُمَّةَ اليهودِ وخُصوصًا الكَهَنَةَ. غَيرَ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ أحدٌ منهم بَلْ ارتفعَ صُراخُ الموجودينَ: اصْلِبْ لَنَا هَذَا، وأطْلِقْ باراباسَ، ومعنى اسْمِهِ "ابنُ الأبِ" وَهُوَ رَجلٌ اشْتَهَرَ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ وارتِكَابِ المَعاصِي، وَكَانَ مُلقًى فِي السِّجْنِ بالنسبةِ للمُشاغباتِ والقلَاقِلِ الَّتِي كَانَ يُحْدِثُهَا. وَإِنَّهُ قَدْ أهَاجَ المدينةَ بِعَمَلِهِ الفِتَنَ وارتكابِهِ القَتْلَ. ومِمَّا يَستْحِقُّ الالْتِفَاتَ أَنَّ بَارابَاسَ كَانَ مُجْرِمًا بذاتِ الجُرمِ الَّذِي اِدَّعى بِهِ رُؤسَاءُ الكَهَنَةِ كَذِبًا عَلَى المُخَلِّصِ، وَهُوَ الفِتْنَةُ. وبهَذَا لَا يُمكِنُ تَقْدِيمُ أكبر بُرْهَانٍ عَلَى انْحِطَاطِ وخُبْثِ تِلْكَ الأُمَّةِ أوضَحَ مِنْ بَذْلِهِمْ كُلَّ مَا فِي استطاعتِهِمْ ليَطْلُبوا مِنَ الحَاكِمِ الرُّومَانِيِّ إطْلَاقَ سَرَاحِ "بارابَاسَ" الأثِيمِ وإدانَةَ المُخلِّصِ البَارِّ. حِينئِذٍ لَمَّا رأى بيلَاطُسُ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ بالحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ، أخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قائلًا: "إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هَذَا البَارِّ. أبْصِرُوا أَنْتُمْ" (16). لَمْ يَكُنْ هَذَا القولُ مُبَرِّرًا لبيلَاطُسَ. نَعَمْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ غَسَلَ يَدَيْهِ بالمَاءِ ولَكِنَّهُ بِذَلِكَ لَمْ يَغْسِلْ قَلْبَهُ مِنَ الذَّنْبِ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ للموتِ مَنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ ببراءَتِهِ بِمُجَرَّدِ صُرَاخِ الشَّعْبِ بِمَا هُوَ مُخالِفٌ لاعْتِقَادِهِ. ولَمَّا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُقْنِعَ الكَهَنَةَ والرُّؤسَاءَ أَسْلَمَ المُخلِّصَ - لَهُ المَجْدُ - ليُجْلَدَ أوَّلًا ثُمَّ ليُصْلَبَ بَعدَ ذَلِكَ.
وَكَانَ الجَلْدُ عِندَ الرُّومانِيينَ فَظِيعًا جدًّا، وَكَانَ أقْسَى كثيرًا مِنْ جَلْدِ اليهودِ؛ لِأَنَّ اليهودَ كانوا فِي ذَلِكَ يُعَرُّونَ الجُزءَ الأعلَى مِنْ جَسَدِ المَرْغُوبِ فِي جَلْدِهِ.
أَمَّا الرُّومانِيونَ فكانوا يُعَرُّونَ الجَسَدَ كُلَّهُ. وَكَانَ عَدَدُ الجَلَدَاتِ عِندَ اليَهودِ مَحْدُودًا أي أرْبَعِينَ إِلَّا واحِدَةً، وأمَّا عِنْدَ الرُّومانِيِّينَ فَبِلَا عَدَدٍ وبِقسوةٍ مُتَنَاهِيَةٍ. وكانوا يَجْلِدُونَ المُجْرِمِينَ بلَا رحْمةٍ وَلَا شَفَقةٍ، وكثيرًا مَا كَانَ يَمُوتُ البَعْضُ مِنَ المُجْرِمِينَ تَحْتَ الجَلْدِ. وَكَانَ الجَلْدُ مَمْنُوعًا عَلَى الرُّومَانِيِّينَ، وخَصُّوا بِهِ العَبِيدَ وأهْلَ البِلَادِ الَّتِي تكونُ تَحْتَ سُلْطَانِهِمْ لِأَنَّهُمْ كانوا عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ عَبِيدٍ (17). وبَعْدَمَا جُلِدَ المُخلِّصُ - لَهُ المَجْدُ - نَزَعُوا ثِيَابَهُ وألْبَسُوهُ ثَوبًا قِرْمِزِيًّا وَهُوَ مَا كَانَ يَلْبِسُهُ رُؤَسَاءُ الجَيْشِ وقَدْ أَلبَسُوهُ لِيَسوعَ اِحتقارًا لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ اِدَّعى أَنَّهُ مَلِكٌ. غَيْرَ أَنَّ مَا صنعُوهُ بالاستهزاءِ قَدْ تَعَيَّنَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ لِيَدُلَّ عَلَى مَعْنًى إلَهِيٍّ. فَإِنَّهُ قَدْ أُلْبِسَ القِرْمِزَ والأُرْجُوانَ لِأَنَّهُ غالبٌ، وقد كُلِّلَ بالشوكِ لِأَنَّهُ مَلِكُ السماءِ والأرضِ، وقد وضِعَتْ فِي يَدِهِ قصبةٌ لِأَنَّهُ قابِضٌ عَلَى صولجانِ المُلْكِ.
فبعْدَما سَخِرَ الجُندُ بِيسوعَ، ألبَسُوهُ ثِيابَهُ ومَضَوْا بِهِ إِلَى خَارِجِ المدينَةِ ليُصْلَبَ فِي المكانِ الَّذِي يُسمَّى بالعبرانيةِ جُلْجُثَةَ، ومَعنَاهُ "الجُمْجُمَةُ"، وَهُوَ عبارةٌ عن أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ مُستديرةٍ خَالِيةٍ مِنَ الصُّخُورِ والأشْجَارِ تُشْبِهُ جُمْجُمَةَ الْإِنْسانِ. وقَالَ بَعضُهُمْ سُمِّيتْ بهذا الاسمِ لِكَثرةِ مَا طُرِحَ فِيهَا مِنْ جَمَاجِمِ القَتْلَى. وقِيلَ أَيْضًا إِنَّ جُمْجُمَةَ آدمَ كانتْ مَدْفونةً هُناكَ. فَلَمَّا وصلوا بِهِ إِلَى ذَلِكَ المَكانِ أَعْطَوْهُ خَمرًا مَمْزُوجةً بِمَرَارَةٍ ليَشْرَبَ، ولَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ (18). والمُرجَّحُ أَنَّ الَّذِينَ قَدَّموا للسَّيِّدِ المسيحِ - لهُ المَجْدُ - هَذَا الشرابَ هُمْ مِنَ اليَهودِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ عَوائِدِ الرُّومَانِ وَلِأَنَّ اليَهودَ كانوا يَتَبَرَّعُونَ بِهِ لِكُلِّ مَحكُومٍ عَلَيْهِ بالموتِ عِندَ قَتْلِهِ؛ وَلِأَنَّ الرَّبَّانِيِّينَ أعلنوا أَنَّهُ مِنْ أعمالِ التقوى والبرِّ، بِناءً عَلَى قَوْلِ الحكيمِ: "أَعطُوا مُسْكِرًا لهالكٍ، وخمرًا لِمُرِّي النَّفْسِ يَشْرَبُ ويَنْسَى فَقْرَهُ، ولَا يَذكُرُ تَعَبَهُ بَعدُ" (19)، ويَظهرُ أَنَّ السيِّدَ المسيحَ - لَهُ المَجدُ - ذاقَهُ إكرامًا لِمَنْ أَسْدَى لَهُ هَذَا المَعْرُوفَ بإعْطَائِهِ إيَّاهُ، ولَكِنَّهُ أبى أَنْ يَشْرَبَهُ لِأَنَّهُ فَضَّلَ أَنْ يَكونَ لَهُ الحِسُّ التامُّ بآلَامِهِ، ولَمْ يَشَأْ أَنْ يُعَكِّرَ صَفَاءَ عَقْلِهِ ليُكَابِدَ جَمِيعَ آلَامِ الصَّلْبِ وَهُوَ فِي حَالَةِ الصَّحْوِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الكأسُ الَّتِي أعْطَاهُ الآبُ لِيَشْرَبَها.
أمَّا الشَّرَابُ فكَانَ مِنَ الأعْشَابِ المُرَّة كالأفْسَنْتِينَ وأمْثَالِهِ مَمْزُوجٌ بِنَقِيعِ بِزْرِ الخَشْخَاشِ وخَمْرٍ حَامِضٍ يَخْتَلفُ عَنِ الخَلِّ قليلًا وغايتهُم مِنْ مَزْجِ الخَمْرِ بِهِ لِيكونَ شَدِيد التَأثير حتى أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ مَا يأخُذُ مِنهُ المصْلُوبُ لَا يَدْري وَلَا يَشعرُ إِنْ كَانَ ميتًا أو حيًّا.
"حِينئِذٍ صَلَبُوا يَسوعَ". كَانَ الصَّلْبُ عِندَ الرُّومَانِيِّينَ مِنْ أشدِّ العذاباتِ المُبرحةِ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشْهِيرِ والعارِ الَّذِي يَلحَقُ بالشّخصِ المصلُوبِ، والآلَاماتِ الشديدةِ حيثُ يَبقَى المصْلُوبُ مُعلّقًا ثلَاثةَ أيَّامٍ أو أكثرَ فَيعتريهِ جُوعٌ وأَرَقٌ وحُمَّى مِنَ التهابِ الجِرَاحِ؛ لِأَنَّ المصلوبَ كَانَ يُوضَعُ فِي وَضعٍ بحيثُ أَنَّ أدنَى حَرَكةٍ يأتيها تُسَبِّبُ لَهُ ألَمًا شَديدًا جِدًّا فِي كُلِّ أجزاءِ الجِسمِ مِنْ شِدّةِ المَسامِيرِ فِي اليديْنِ والرِّجْلَيْنِ. وكذا الدمُ الَّذِي يَتجمَّعُ فِي الرّئتيْنِ ويَضغطُ عَلَى القلبِ، كَانَ يُسبِّبُ ألَمًا شديدًا لَا يُحتَمَلُ ولَا يُطاقُ مصحوبًا بعَطشٍ شديدٍ وَكَانَ الصَّلْبُ لَعنةً، حتى أَنَّ الرُّومانَ لَمْ يُقاصُوا بِهِ البَتَّةَ الرَعَايَا الرُّومَانِيِّينَ، بَلْ كانوا يُعَاقِبونَ بِهِ الأَرِقَّاءَ واللُّصوصَ والعُصاةَ والمُجرمينَ.
والصَّلْبُ أصلًا كَانَ فِي بلَادِ الفُرْسِ وعَاقَبَ بِهِ كُلٌّ مِنَ المصْريِّينَ واليُونَانِيِّينَ والرُّومَانِيِّينَ. فاسكندر الكبير عند افتتاحِهِ مدينةَ صُورٍ صَلَبَ مِنْ أهلها ألفَيْنِ. والرُّومَانِيُّونَ لَمْ يُوقِّعوا عَلَى رومانيٍّ حُكْمَ الموتِ بالصَّلْبِ. بَلْ خَصُّوا بِهِ العَبيدَ ومَنْ يَرتكبُ أشَرَّ الآثامِ وأهْلَ الولَاياتِ الَّتِي استولوا عَلَيْهَا لِأَنَّهُمْ يحسبونَهم كالعبيدِ. "وكراسبوس" القَائِدُ الرُّومَانِيُّ سيَّج الطَّريقَ مِنْ مَدينةِ "كبيو" إِلَى مَدينةِ "رومية" بصُلْبَانِ العَبيدِ الَّذِينَ عَصَوُا الدولةَ الرُّومَانِيَّةَ. وصَلَبَ " أغسطسُ قيصرُ " سِتَةَ آلَافِ عبدٍ فِي جَزيرةِ صقليةَ أي "سيسليا" لِأَنَّهُم عَصَوُهُ. وكانتِ العَادةُ أَنْ يَحْمِلَ المَحكومُ عَلَيْهِ بالصَّلْبِ إعلَانَ العِلَّةِ الَّتِي صُلِبَ لأجْلِهَا حتى إذا وَصلُوا مَحَلَّ الصَّلْبِ، هُناكَ يُوضعُ فوقَ رأسِهِ. فكانتْ عِلَّةُ السَّيِّدِ المسيحِ عِندُ بيلَاطُسَ: "هَذَا هُوَ يَسوعُ مَلِكُ اليَهودِ". وكَتَبَ هَذَا العنوانَ بثلَاثِ لُغاتٍ كانت شائعةً فِي سوريَّا وَقْتئذٍ وهيَ: العبرانيةُ واليونانيةُ واللَاتينيةُ. وقَصَدَ بِيلَاطُسُ بِذَلِكَ العنوانِ تَعييرَ اليَهودِ بصلْبِ ملِكِهِمْ والتشهيرِ بِهِمْ. فاعْتَرَضَهُ الرُّؤساءُ عَلَى مَا كَتَبَ فَلَمْ يُبَالِ بِهِمْ ولَمْ يُذْعِنْ لِقَوْلِهِمْ. بَلْ قَالَ مَا كُتِبَ فَقَدْ كُتِبَ. فَمَا لقَّبَ المجوسُ بِهِ السيِّدَ المَسيحَ عِندَ مِيلَادهِ تَمْجِيدًا لَهُ، لَقَّبهُ بِهِ أَيْضًا بِيلَاطُسُ عِندَ مَوْتِهِ.
وقَدْ اُثْخِنَ جَسَدُهُ بالجِراحِ مِنْ جَرَّاءِ حَمْلِ الصَّلِيبِ الضَخْمِ الثَّقِيلِ سائرًا بِهِ فِي شوارعِ أُورُشَلِيمَ بَيْنَ سُخْريَةِ الجَمْعِ، وإهانَةِ الخُصُومِ وتَهكُّمِ السَّفَلةِ وشتائمِ الأجْلَافِ وتَشَفِّي الأعْداءِ. يَئنُّ تَحْتَهُ أنِينَ المُحتَضِرِ فَيَقَعُ تَارَةً عَلَى الحِجَارَةِ ويَنْهَضُ أُخْرَى. خَائِرَ القُوَى، شَاحِبَ الوَجْهِ، دامِيَ الأعضاءِ، حتى بَلغَ مَذْبَحَ الجُلْجُلَةِ. وهناكَ جَرَى مَقْتلُهُ بِحِرَابِ المساميرِ عَلَى الصليبِ. فَتَأثَّرَتِ الطَّبِيعَةُ مِنْ هَوْلِ هَذَا المنظرِ. الشَّمْسُ حَجَبَتْ نُورَها بغيرِ أوانٍ خَجلًا مِنْ أَنْ تَرَى مُبدِعَهَا مُعلَّقًا عَلَى الصَّليبِ عَاريًا. والخليقةُ تَتفَرَّسُ فِيهِ مِثلُ حامٍ الوقِحْ. والأرضُ تَزلزلتِ اضْطِرابًا. والصُّخُورُ تَشقَّقتِ التياعًا عَلَى ربِّ المَجْدِ. ولِسانُ حالِها يَقولُ: دَعْنِي أبتلعُ الأشرارَ كَمَا ابتلعتُ قورحَ وداثانَ وأبيرامَ (20).
"ومِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صارتْ ظُلمةٌ عَلَى الأرضِ كُلِّها". فكانَتْ هَذِهِ الظُلمةُ معجزةً لِأَنَّهُ لَا يُمكنُ أَنْ يَحصُلَ كُسوفٌ للشمسِ إِلَّا والقمرُ هلَالٌ. وَكَانَ يومَئذٍ اليومَ الخامسَ عشرَ مِنَ الشهرِ. وَكَانَ القمرُ بَدرًا وَكَانَ هَذَا الكسوفُ كُلِّيًا لَا جزئيًا. فلَبِسَ العالَمُ كُلُّهُ أثوابَ الحِدادِ حُزنًا عَلَى خالقِ الكونِ، ومُدَبِّرِ المسكونَةِ، ونورِ العَالَمِ وشمسِ البِرِّ.
وَمَا صَلْبُ اليهودُ لَهُ بأقلِّ قسوةٍ مِنَّا. فمِنَّا مَنْ أزادَ صليبَهُ ثِقْلًا. ومِنَّا مَنْ هَزَأَ به أكثرَ مِنْ هيرودِسَ. ومِنَّا مَنْ باعَهُ بأشدِّ خيانةٍ من يهوذا. ومِنَّا مَنْ جَلَدهُ بأفظعِ قساوةٍ مِنَ الشرطةِ. ومِنَّا مَنْ غَرَزَ فِي هامتِهِ أشواكًا أحَدَّ من إكليلِ صالبِيهِ. ومِنَّا مَنْ زادَ مساميرَ صلبِهِ عددًا. ومِنَّا مَنْ طَعَنَهُ، لَا بحربةٍ كقاتِلِيه، بل بِحِرَابِ الخطايا والذّنوبِ.
يا مَنْ ألهَمَ اللِّصَّ اليمينَ التوبةَ، وهَداهُ إِلَى سُبُلِ الرَّشادِ، أنِرْ عيونَ قلوبِنا فنرى شناعةَ الخطيةِ، ونرجِعَ عنها نادمينَ عَلَى مَا فَرَطَ مِنَّا مِنَ المعاصي والشرورِ.
وَفِي وقتِ السَّاعَةِ التاسِعَةِ صَرخَ يَسوعُ بصوتٍ عَظيمِ قائلًا: "إيلِي إيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي" لفظةٌ عبرانيةٌ مُكرَّرةٌ معناها: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" (21). وجاءَ فِي إنجيل مُعلِّمِنا مرقسَ: "إِلُوِي إِلُوِي" وَهَذَا اللّفظُ مثلُ "إيلِي إيلِي". إِلَّا أَنَّ مُعلِّمنا مرقسَ نَقَلهُ بلفظهِ السُّريانِيِّ كَمَا نطقَ بِهِ السَّيِّدُ المَسيحُ - لَهُ المَجْد - إِنَّ هَذِهِ الكآبةَ المريرةَ الَّتِي اضْطَرَّتْ مُخلِّصَنا - لهُ المَجْد - إِلَى هَذَا الصُّراخِ المُرهِبِ: "إلهي إلهي لماذا تَركتَني". هِيَ شناعةُ الخطيةِ الَّتِي ارتَكبَها الْإِنسانُ وقيامُه نيابةً عنَّا أمامَ العدلِ الْإِلهيِّ ليفيَهُ حقَّهُ، إذْ ذاقَ الموتَ عَنْ جميعِ الناسِ (22)، وَلِأَنَّه جُعِلَ وَهُوَ لَمْ يَعرفْ خطيَّةً، خطيَّةً لأجلنا، لِنَصِيرَ نَحنُ بِرَّ اللَّهِ فِيهِ (23). وَهَذَا إتمامًا لقولِ إشَعياءَ النبيِّ: "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بأَنْ يَسْحَقَهُ بالحَزَنِ، أَنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إثْمٍ" (24). "وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثامِنَا. تَأدِيبُ سَلَامِنَا عَلَيْهِ، وبِحُبُرِهِ شُفِينَا" (25)، وَكَمَا قالَ مُعلِّمُنا بطرسُ الرسولُ أَيْضًا: "تَألَّمَ مَرَّةً واحِدَةً مِنْ أجْلِ الخَطايَا، البَارُّ مِنْ أجْلِ الأثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللَّهِ" (26). وبعد ذَلِكَ: "صَرَخَ يَسُوعُ أَيْضًا بِصوتٍ عَظِيمٍ، وأَسْلَمَ الرُّوحَ" (27). وَلَعَلَّ هَذَا الصُّراخَ كَانَ هُتافَ الفرحِ لِأَنَّهُ أكملَ عَمَلَ الفداءِ.
* اللاَهوتُ لَمْ يُفارقِ الناسوتَ *
بِما أَنَّنَا قد عَرَفْنا أَنَّ السَّيِّدَ المَسيحَ لَهُ المَجْدُ عندَ تَجسُّدِهِ كَانَ إلهًا كامِلًا مُتأنِّسًا وقَدِ اتَّحدَ لَاهوتُهُ بناسوتِهِ بدونِ اختلَاطٍ وَلَا امتزاجٍ وَلَا تغييرٍ. فكَانَ بناسوتِهِ قابلًا لِكُلِّ مَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ صُعوباتِ الحياةِ: كالجُوعِ والعَطَشِ (28) والتَّعبِ (29) والصُّرَاخِ (30) والبُكَاءِ (31) والحُزْنِ (32) وسائرِ التَّجاربِ العَالَمِيَّةِ مَا عدا الخَطِيَّةَ (33)، وَأَمَّا بلَاهوتِهِ فَمُتعالٍ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبيرًا فَيَهَبُ الشَّبَعَ للجَوْعانِ (34). ويَروي العَطشانَ (35) ويُريحُ مِنَ التَّعَبِ (36) ويُعزِّي الحَزِينَ (37) ويُخلِّصُ مِنَ التَّجَارِبِ (38). وقَدْ شَهِدَ الرُّوحُ القُدُسُ بذَلِكَ عَلَى أفواهِ الرُّسلِ القدِّيسِينَ. فَيقولُ بُطْرُسُ الرسولُ: " الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الخَشَبَةِ " (39). وقال بولُسُ الرسولُ: "إذْ أَرْسَلَ اللَّهُ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الخَطِيَّةِ، ولأَجْلِ الخَطِيَّةِ، دَانَ الخَطِيَّةَ فِي الجَسَدِ" (40). وبصَريحِ العبارةِ يُبَرْهِنُ بطرسُ عن موتِهِ بالجسدِ قائِلًا: "مُماتًا فِي الجَسَدِ ولكِنْ مُحْيًى فِي الرُّوحِ" (41). لِأَنَّهُ مكتوبٌ عَنْهُ: "الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ المَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لَا يُدْنَى مِنْهُ" (42). فَعِنْدَ مَوْتِهِ أَسْلَمَ رُوحَه الطاهرةَ قائلًا لأبيهِ: "يا أبَتَاهُ، فِي يَديْكَ أستَودِعُ رُوحِي". وَهَكَذَا ماتَ مِنْ جهةِ ناسوتهِ عَلَى أَنَّ لَاهوتَهُ لَمْ يَمُتْ بلْ هُوَ حيٌّ لَا يموتُ، ولَمْ يُفارقْ لَاهُوتُهُ جَسدَهُ ولَا رُوحَهُ الْإِنسانيةَ لَحْظةً، لَا قَبْلَ الصَّلْبِ وَلَا حينَ الصَّلْبِ وَلَا بَعْدَ الصَّلْبِ. وإذ تَقرَّرَ ذَلِكَ نَقولُ: إِنَّهُ لَا يُمكِنُ أَنْ يَكونَ فِي السَّيِّدِ المسيحِ فاعِلَان، أحدُهُما يُضادِدُ الآخَرَ. واحدٌ يُولَدُ، وَالآخرُ لَا يُولَدُ. واحدٌ يُبهِرُ بالعجائبِ، وَالآخرُ تقعُ عَلَيْهِ الْإِهاناتُ. واحدٌ يُصلَبُ والآخرُ لَا يُصلَبُ. بل إِنَّ المولودَ والصانعَ العجائبَ والمصلوبَ هُوَ واحدٌ. هَذَا هُوَ الْإِيمانُ الرَّسوليُّ واتِّفاقُ أصواتِ البشيرينَ وأقوالِ الآباءِ.
وجاءَ فِي تاريخِ الكنيسةِ الَّذِي أُخِذَ عَنِ التَّقاليدِ القديمةِ أَنَّ يوسِفَ ونيقوديموسَ لَمَّا شَرَعا فِي تحنيطِ السَّيِّدِ، أمسكَ يوسِفُ يدَهُ وقالَ هَذِهِ اليدُ العظيمةُ الَّتِي جَبَلتِ المخلوقاتِ تموتُ وأَنَا أُحنِّطُهَا؟! فسمعَ يوسِفُ ونيقوديموس الملَائكة تُسبِّحُ وتقولُ: " قُدُّوسٌ اللَّهِ، قدُّوسٌ القويُّ، قُدُّوسٌ الحيُّ الَّذِي لَا يموتُ ". ولذَلِكَ قدْ رتَّبَتْ الكنيسةُ هَذِهِ التسبحةَ بَيْنَ ترنِيمَاتِها فِي البصخةِ المقدسةِ.
إذًا فليكُنْ مَعلومًا أَنَّ قَبُولَ ربِّنا الآلَامَ والموتَ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَيْثيَّةِ لَاهوتهِ القُدُّوسِ. إذ أَنَّ اللَاهوتَ مُنَزَّهٌ عنْ كافةِ الانفعالَاتِ، ولذَلِكَ لَمْ تَتَطَرَّقْ إِلَيْهِ التأثيراتُ بِمَا أَنَّهُ مُتَّحِدٌ بالناسوتِ اتحادًا ذاتِيًّا طَبيعيًّا أُقنومِيًّا لَا يَقْبَلُ الانْفِصَالَ ولَا الافْتِرَاقَ ولَا يَشُوبُهُ تَثْنِيةٌ.
بِما أَنَّنَا قد عَرَفْنا أَنَّ السَّيِّدَ المَسيحَ لَهُ المَجْدُ عندَ تَجسُّدِهِ كَانَ إلهًا كامِلًا مُتأنِّسًا وقَدِ اتَّحدَ لَاهوتُهُ بناسوتِهِ بدونِ اختلَاطٍ وَلَا امتزاجٍ وَلَا تغييرٍ. فكَانَ بناسوتِهِ قابلًا لِكُلِّ مَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ صُعوباتِ الحياةِ: كالجُوعِ والعَطَشِ (28) والتَّعبِ (29) والصُّرَاخِ (30) والبُكَاءِ (31) والحُزْنِ (32) وسائرِ التَّجاربِ العَالَمِيَّةِ مَا عدا الخَطِيَّةَ (33)، وَأَمَّا بلَاهوتِهِ فَمُتعالٍ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبيرًا فَيَهَبُ الشَّبَعَ للجَوْعانِ (34). ويَروي العَطشانَ (35) ويُريحُ مِنَ التَّعَبِ (36) ويُعزِّي الحَزِينَ (37) ويُخلِّصُ مِنَ التَّجَارِبِ (38). وقَدْ شَهِدَ الرُّوحُ القُدُسُ بذَلِكَ عَلَى أفواهِ الرُّسلِ القدِّيسِينَ. فَيقولُ بُطْرُسُ الرسولُ: " الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الخَشَبَةِ " (39). وقال بولُسُ الرسولُ: "إذْ أَرْسَلَ اللَّهُ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الخَطِيَّةِ، ولأَجْلِ الخَطِيَّةِ، دَانَ الخَطِيَّةَ فِي الجَسَدِ" (40). وبصَريحِ العبارةِ يُبَرْهِنُ بطرسُ عن موتِهِ بالجسدِ قائِلًا: "مُماتًا فِي الجَسَدِ ولكِنْ مُحْيًى فِي الرُّوحِ" (41). لِأَنَّهُ مكتوبٌ عَنْهُ: "الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ المَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لَا يُدْنَى مِنْهُ" (42). فَعِنْدَ مَوْتِهِ أَسْلَمَ رُوحَه الطاهرةَ قائلًا لأبيهِ: "يا أبَتَاهُ، فِي يَديْكَ أستَودِعُ رُوحِي". وَهَكَذَا ماتَ مِنْ جهةِ ناسوتهِ عَلَى أَنَّ لَاهوتَهُ لَمْ يَمُتْ بلْ هُوَ حيٌّ لَا يموتُ، ولَمْ يُفارقْ لَاهُوتُهُ جَسدَهُ ولَا رُوحَهُ الْإِنسانيةَ لَحْظةً، لَا قَبْلَ الصَّلْبِ وَلَا حينَ الصَّلْبِ وَلَا بَعْدَ الصَّلْبِ. وإذ تَقرَّرَ ذَلِكَ نَقولُ: إِنَّهُ لَا يُمكِنُ أَنْ يَكونَ فِي السَّيِّدِ المسيحِ فاعِلَان، أحدُهُما يُضادِدُ الآخَرَ. واحدٌ يُولَدُ، وَالآخرُ لَا يُولَدُ. واحدٌ يُبهِرُ بالعجائبِ، وَالآخرُ تقعُ عَلَيْهِ الْإِهاناتُ. واحدٌ يُصلَبُ والآخرُ لَا يُصلَبُ. بل إِنَّ المولودَ والصانعَ العجائبَ والمصلوبَ هُوَ واحدٌ. هَذَا هُوَ الْإِيمانُ الرَّسوليُّ واتِّفاقُ أصواتِ البشيرينَ وأقوالِ الآباءِ.
وجاءَ فِي تاريخِ الكنيسةِ الَّذِي أُخِذَ عَنِ التَّقاليدِ القديمةِ أَنَّ يوسِفَ ونيقوديموسَ لَمَّا شَرَعا فِي تحنيطِ السَّيِّدِ، أمسكَ يوسِفُ يدَهُ وقالَ هَذِهِ اليدُ العظيمةُ الَّتِي جَبَلتِ المخلوقاتِ تموتُ وأَنَا أُحنِّطُهَا؟! فسمعَ يوسِفُ ونيقوديموس الملَائكة تُسبِّحُ وتقولُ: " قُدُّوسٌ اللَّهِ، قدُّوسٌ القويُّ، قُدُّوسٌ الحيُّ الَّذِي لَا يموتُ ". ولذَلِكَ قدْ رتَّبَتْ الكنيسةُ هَذِهِ التسبحةَ بَيْنَ ترنِيمَاتِها فِي البصخةِ المقدسةِ.
إذًا فليكُنْ مَعلومًا أَنَّ قَبُولَ ربِّنا الآلَامَ والموتَ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَيْثيَّةِ لَاهوتهِ القُدُّوسِ. إذ أَنَّ اللَاهوتَ مُنَزَّهٌ عنْ كافةِ الانفعالَاتِ، ولذَلِكَ لَمْ تَتَطَرَّقْ إِلَيْهِ التأثيراتُ بِمَا أَنَّهُ مُتَّحِدٌ بالناسوتِ اتحادًا ذاتِيًّا طَبيعيًّا أُقنومِيًّا لَا يَقْبَلُ الانْفِصَالَ ولَا الافْتِرَاقَ ولَا يَشُوبُهُ تَثْنِيةٌ.
* السبب الذي مات لأجله يسوع دون سواه *
قبلَ أَنْ تُخلقَ الكائناتُ. وقبلَ أَنْ تَتَعيَّنَ الأزمانُ، عَلِمَ اللَّهُ بسابقِ عِلمِهِ أَنَّ الْإِنسانَ سَيُخْطِئُ ويَعمَلُ الشَّرَّ عَلَى الأرضِ. وبِما أَنَّ أُجرةَ الخَطِيَّةِ الموتُ، وَكَانَ اللَّهُ مِنْ فرطِ رحْمتِهِ لَا يَشاءُ أَنْ يَهلِكَ الْإِنسانُ الَّذِي هُوَ مُزمِعٌ أَنْ يَخلِقَهُ، دبَّرَ أمْرَ خَلَاصِهِ قَبْلَ أَنْ يَظهرَ فِي عالَمِ الوجُودِ. ولَمَّا كَانَ ذَلِكَ الخلَاصُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بواسطةِ بَارٍّ قُدُّوسٍ لَا عَيبَ فِيهِ، وَلَا يُوجدُ فِي فمهِ غِشٌّ، مُتَنَزِّهٍ عَنِ الخطيَّةِ، وبِما أَنَّ هَذَا الأمرَ لَا يَقدِرُ أَنْ يقومَ بهِ ملَاكٌ أو رئيسُ ملَائكةٍ أو نَبيٌّ أو قدِّيسٌ؛ لِأَنَّ طبيعةَ الملَائكةِ غَيرُ طبيعةِ البَشرِ. والأنبياءُ والقدِّيسُونَ مولُودُونَ بالخطيَّةِ الجَدِّيَّةِ الَّتِي عَمَّتْ جَميعَ النَّوْعِ الْإِنسانيِّ، ولَمْ يُسْتَثْنَ مِنها أحدٌ كقولِ بولُسَ الرسولِ: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بإنسَانٍ واحِدٍ دَخَلَتِ الخَطِيَّةُ إِلَى العَالَمِ، وبالخَطِيَّةِ المَوْتُ، وَهَكَذَا اجْتَازَ المَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، بالَّذِي جَميعُهُمْ خَطِئوا فِيهِ" (43). كَمَا هُوَ مكتوبٌ: "أَنَّهُ لَيسَ بَارٌّ ولَا واحِدٌ. لَيسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيسَ مَنْ يَطْلُبُ اللَّهَ. الجَميعُ زَاغُوا وفَسَدُوا مَعًا. لَيسَ مَنْ يَعمَلُ صَلَاحًا ليسَ ولَا واحِدٌ" (44).
وبما أَنَّهُ لَا يَقدِرُ المُذنبُ أَنْ يُخَلِّصَ مُذنِبًا مِثلَهُ، كَمَا وَأَنَّ المُحتاجَ لَا يَسُدُّ عَوزَ مَنْ يُشْبِهُهُ فِي الاحتياجِ رَأَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَتِمَّ هَذَا الفداءُ إِلَّا بالأقُنومِ الثاني الَّذِي بواسطتِهِ قد صُوِّرَتِ الخليقةُ كَمَا شَهِدَ بذَلِكَ مُعلِّمُنا يوحنا الْإِنجيليُّ: "كُلُّ شَيءٍ بهِ كَانَ، وبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيءٌ مِمَّا كَانَ" (45). فَوَجَبَ بِمَنْ أوجدَ الموجوداتِ أَنْ يكونَ بهِ الخلَاصُ دونَ سواهُ: "فأرسَلَ اللَّهُ ابنَهُ مَولودًا مِنْ امرأةٍ، مولودًا تَحتَ النَّاموسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحتَ النَّاموسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ" (46). فلَبِسَ صورةَ الْإِنسانِ الَّتِي كانتْ قَدْ أفْسَدَتْها الخطيَّةُ ليُجدِّدَها مَرَّةً ثانيةً، ويُعيدَ لَهَا مَجدَها الأولَ. وَكَانَ ذَلِكَ بِإجْمَاعِ الثلَاثةِ الأقانيمِ عَلَى خَلَاصِ الْإِنسانِ. فالآبُ قَدِ استوفى عَدْلَهُ منهُ. والابنُ قَدْ قدَّمَ عنهُ الوفاءَ. والرُّوحُ القُدُسُ غَفَرَ لهُ خطاياهُ.
فهَذَا هُوَ السببُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهَ يَتَّخِذَ صورةَ عبدٍ فِي شِبهِ جَسدِ الخطيَّةِ، ليدينَ الخطيَّةَ فِي الجسدِ، وَكَانَ اللَّهُ قادرًا أَنْ يُخلِّصَ الْإِنسانَ بكَلِمةٍ كَمَا خَلَقَ العالَمَ بكَلِمةٍ، ولكنْ بِما أَنَّهُ عادِلٌ رَأَى أَنَّهُ لَا تَحصُلُ مَغفرةٌ إِلَّا بسفكِ دمٍ، فلِذَا لزِمَ هَذَا التَّجَسُّدُ العَجِيبُ الَّذِي هُوَ فوقَ الطبيعةِ، وَذَلِكَ تنفِيذًا للعدلِ الْإِلهيِّ: "النَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ" (47). وَعَلَيْهِ فقدِ اقْتَضَتْ رحْمةُ اللَّهِ أَنْ تقومَ بعملِ التكفِيرِ عَنِ الْإِنسانِ المُذنبِ. وبذَلِكَ يكونُ اللَّهُ عادلًا ورحيمًا فِي آنٍ واحدٍ. فالعدلُ قَدِ استوفَى حَقَّهُ بِموتِ الابنِ عَلَى خشبةِ الصَّليبِ. والرَّحمةُ قد تَوسَّطَتْ فِي صُنعِ الخلَاصِ. فصارَ عدلُ اللَّهِ ورحمتُهُ مُتساوِيَيْنِ إذْ كُلٌّ مِنهُما قَدِ استوفى حَقَّهُ حتى لَا يَكونَ بَيْنَهما تفاوتٌ.
قبلَ أَنْ تُخلقَ الكائناتُ. وقبلَ أَنْ تَتَعيَّنَ الأزمانُ، عَلِمَ اللَّهُ بسابقِ عِلمِهِ أَنَّ الْإِنسانَ سَيُخْطِئُ ويَعمَلُ الشَّرَّ عَلَى الأرضِ. وبِما أَنَّ أُجرةَ الخَطِيَّةِ الموتُ، وَكَانَ اللَّهُ مِنْ فرطِ رحْمتِهِ لَا يَشاءُ أَنْ يَهلِكَ الْإِنسانُ الَّذِي هُوَ مُزمِعٌ أَنْ يَخلِقَهُ، دبَّرَ أمْرَ خَلَاصِهِ قَبْلَ أَنْ يَظهرَ فِي عالَمِ الوجُودِ. ولَمَّا كَانَ ذَلِكَ الخلَاصُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بواسطةِ بَارٍّ قُدُّوسٍ لَا عَيبَ فِيهِ، وَلَا يُوجدُ فِي فمهِ غِشٌّ، مُتَنَزِّهٍ عَنِ الخطيَّةِ، وبِما أَنَّ هَذَا الأمرَ لَا يَقدِرُ أَنْ يقومَ بهِ ملَاكٌ أو رئيسُ ملَائكةٍ أو نَبيٌّ أو قدِّيسٌ؛ لِأَنَّ طبيعةَ الملَائكةِ غَيرُ طبيعةِ البَشرِ. والأنبياءُ والقدِّيسُونَ مولُودُونَ بالخطيَّةِ الجَدِّيَّةِ الَّتِي عَمَّتْ جَميعَ النَّوْعِ الْإِنسانيِّ، ولَمْ يُسْتَثْنَ مِنها أحدٌ كقولِ بولُسَ الرسولِ: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بإنسَانٍ واحِدٍ دَخَلَتِ الخَطِيَّةُ إِلَى العَالَمِ، وبالخَطِيَّةِ المَوْتُ، وَهَكَذَا اجْتَازَ المَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، بالَّذِي جَميعُهُمْ خَطِئوا فِيهِ" (43). كَمَا هُوَ مكتوبٌ: "أَنَّهُ لَيسَ بَارٌّ ولَا واحِدٌ. لَيسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيسَ مَنْ يَطْلُبُ اللَّهَ. الجَميعُ زَاغُوا وفَسَدُوا مَعًا. لَيسَ مَنْ يَعمَلُ صَلَاحًا ليسَ ولَا واحِدٌ" (44).
وبما أَنَّهُ لَا يَقدِرُ المُذنبُ أَنْ يُخَلِّصَ مُذنِبًا مِثلَهُ، كَمَا وَأَنَّ المُحتاجَ لَا يَسُدُّ عَوزَ مَنْ يُشْبِهُهُ فِي الاحتياجِ رَأَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَتِمَّ هَذَا الفداءُ إِلَّا بالأقُنومِ الثاني الَّذِي بواسطتِهِ قد صُوِّرَتِ الخليقةُ كَمَا شَهِدَ بذَلِكَ مُعلِّمُنا يوحنا الْإِنجيليُّ: "كُلُّ شَيءٍ بهِ كَانَ، وبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيءٌ مِمَّا كَانَ" (45). فَوَجَبَ بِمَنْ أوجدَ الموجوداتِ أَنْ يكونَ بهِ الخلَاصُ دونَ سواهُ: "فأرسَلَ اللَّهُ ابنَهُ مَولودًا مِنْ امرأةٍ، مولودًا تَحتَ النَّاموسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحتَ النَّاموسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ" (46). فلَبِسَ صورةَ الْإِنسانِ الَّتِي كانتْ قَدْ أفْسَدَتْها الخطيَّةُ ليُجدِّدَها مَرَّةً ثانيةً، ويُعيدَ لَهَا مَجدَها الأولَ. وَكَانَ ذَلِكَ بِإجْمَاعِ الثلَاثةِ الأقانيمِ عَلَى خَلَاصِ الْإِنسانِ. فالآبُ قَدِ استوفى عَدْلَهُ منهُ. والابنُ قَدْ قدَّمَ عنهُ الوفاءَ. والرُّوحُ القُدُسُ غَفَرَ لهُ خطاياهُ.
فهَذَا هُوَ السببُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهَ يَتَّخِذَ صورةَ عبدٍ فِي شِبهِ جَسدِ الخطيَّةِ، ليدينَ الخطيَّةَ فِي الجسدِ، وَكَانَ اللَّهُ قادرًا أَنْ يُخلِّصَ الْإِنسانَ بكَلِمةٍ كَمَا خَلَقَ العالَمَ بكَلِمةٍ، ولكنْ بِما أَنَّهُ عادِلٌ رَأَى أَنَّهُ لَا تَحصُلُ مَغفرةٌ إِلَّا بسفكِ دمٍ، فلِذَا لزِمَ هَذَا التَّجَسُّدُ العَجِيبُ الَّذِي هُوَ فوقَ الطبيعةِ، وَذَلِكَ تنفِيذًا للعدلِ الْإِلهيِّ: "النَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ" (47). وَعَلَيْهِ فقدِ اقْتَضَتْ رحْمةُ اللَّهِ أَنْ تقومَ بعملِ التكفِيرِ عَنِ الْإِنسانِ المُذنبِ. وبذَلِكَ يكونُ اللَّهُ عادلًا ورحيمًا فِي آنٍ واحدٍ. فالعدلُ قَدِ استوفَى حَقَّهُ بِموتِ الابنِ عَلَى خشبةِ الصَّليبِ. والرَّحمةُ قد تَوسَّطَتْ فِي صُنعِ الخلَاصِ. فصارَ عدلُ اللَّهِ ورحمتُهُ مُتساوِيَيْنِ إذْ كُلٌّ مِنهُما قَدِ استوفى حَقَّهُ حتى لَا يَكونَ بَيْنَهما تفاوتٌ.
* صُورةُ خِطَابٍ *
مِنْ "ربوليولينو" مُديرِ اليهوديَّةِ بأورشليمَ إِلَى مَحْفِلِ قَيصرِ رومِيَةِ، وَهَذَا الخِطابُ المذكورُ وُجِدَ فِي خِزَانةِ الأمير "شَراوْيِنِي" مِنْ إيطاليا يَصِفُ فِيهِ شكلَ وأخبارَ السَّيِّدِ المسيحِ، وَهَا هُوَ بحروفِهِ:
أَيُّهَا الملِكُ بما أَنَّنِي فَهِمْتُ أَنَّكَ تَرْغَبُ معرفةَ مَا أُخْبِرُكَ بِهِ الآنَ، لِكَوْنِ فِي وَقْتِنَا هَذَا وُجِدَ رَجُلٌ عَائِشٌ عِيشةً فاضِلةً يَدْعُونَهُ: "رسولَ الفضيلةِ" وتلَاميذُهُ يقولونَ إِنَّهُ: "ابنُ اللَّهِ" خالقِ السماءِ والأرضِ وكُلِّ مَا يوجدُ فِيهِمَا.
بالحقيقةِ إِنَّ كُلَّ يومٍ نسمعُ أُمورًا عجيبةً عَنْ يسوعَ هَذَا، فَيُقِيمُ الموتى ويَشفِي السُّقَماءَ بكلمةٍ واحِدةٍ، وَهُوَ مُعتدِلُ القامَةِ وجَميلُ المنظَرِ جدًّا ووجهُهُ ذُو هَيبةٍ هَكَذَا، حتى إِنَّ الَّذِينَ يَنظُرونَ إِلَيْهِ يَشعُرونَ باجتذابِهِم إِلَيْهِ، ويُحبونَهُ ويَخافونَهُ.
وشعرُ رأسِهِ نازِلٌ إِلَى أُذنيْهِ ومِنْ أُذنيْهِ مُسْتَدْلٍ عَلَى كَتِفَيْهِ وَهُوَ بِلَوْنِ التُّرابِ إِنَّمَا عَلَيْهِ ضِيَاءٌ. وَفِي وسَطِ جَبينِهِ غُرَّةٌ كعادَةِ الناصريِّينَ. أَمَّا جَبينُهُ فَمَبْسوطٌ كثِيرُ الصَّفَاوَةِ، وَوَجْهُهُ ليسَ فِيهِ تَجَعُّدٌ وَلَا علَامَةٌ البَّتةَ. وفَخذَاهُ بغايَةِ الاعتِدَالِ، وأَنْفُهُ وفمُهُ لَا يُعبَّرَانِ بِحُسْنٍ فِي أحَدٍ، ومنظرُهُ يَفِيضُ خُشوعًا، وَوَرَعًا وعَيْناهُ كأشعةِ الشَّمسِ، وَلَا أحدَ يقدِرُ أَنْ يُحَدِّقَ بنَظرِهِ إِلَيْهِ مِنْ كَثرةِ الضِّياءِ.
وإذا وبَّخَ أَرْهَبَ وَإِنْ نَصَحَ أَبْكَى. ويجعَلُ الجميعَ يَحترمونَهُ؛ لِأَنَّهُ ذُو سَمَاحَةٍ وهَيْبةٍ، ويَقولونَ إِنَّهُ لَمْ يُنظَرْ ضَاحِكًا بَلْ بَاكِيًا. وذِراعَاهُ ويداهُ زائدةُ الجمالِ.
أَمَّا فِي الاجتماعاتِ فيُرْضِي كثيرينَ، ولكنْ يَنظُرُ لهُمْ نادرًا، وعندَ وُجودِهِ بَينهُمْ يجلِسُ بغايَةِ التهذِيبِ ففِي رؤيتِهِ وشكلِهِ هُوَ أجْمَلُ إنسانٍ يُمكنُ تخيُّلُهُ، ومُشَابِهٌ بمقدارٍ عظيمٍ لأُمِّهِ الَّتِي هِيَ أجملُ فتاةٍ يُمكنُ مُشاهَدَتُها أوْ تُشاهَدُ قطُّ بهَذِهِ الجِهَاتِ.
فيَا أَيُّهَا الملِكُ إِنْ رَغِبْتَ جلَالتُكُمُ أَنْ تَراهُ فأَخْبِرْنِي لكِيْ لَا أتَقَاعَدَ عَنْ تَوَجُّهِهِ إلَيْكَ سريعًا. لكنَّهُ بالعُلومِ قدْ أَذْهَلَ مدينةَ أورُشَليمَ بأجْمَعِهَا فيَعْرِفُ كَافَّةَ العُلومِ مِنْ غيرِ أَنْ يتعلَّمَ. وتَارَةً يَمشِي حَافِيَ الأقْدَامِ مَكْشوفَ الرأسِ، وكثيرونَ عندَ نظرهِمْ إِلَيْهِ يَضحكونَ مِنهُ. أَمَّا فِي حُضورِهِ أو التَّكَلُّمِ معهُ فَإِنَّهُ يُرْهِبُ ويُذْهِلُ ويقولونَ إِنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ قطُّ عَنْ رَجُلٍ هَكَذَا فِي الجِهَاتِ. وبالحقيقةِ مِثْلَ مَا يقولُ لِي اليهودُ إِنَّنَا لَمْ نَسْمَعْ قطُّ مَشُوراتِ حِكْمَةٍ مِنْ أحدٍ كمثلِ مَا يُعَلِّمُ يسوعُ هَذَا. وكثيرونَ آخَرونَ يَتَهَكَّمونَ ويشتكونَ لِي مِنْهُ قائلينَ إِنَّهُ مُضَادِدٌ لشَريعةِ عظمتِكُم وتَرَانِي مُعَنَّفًا جدًّا مِنْ هؤلَاءِ اليهودِ الأشرارِ. ويقولونَ إِنَّهُ مَا أغاظَ أحدًا قطُّ، بَلْ كَافَّةُ الَّذِينَ عَرَفوهُ أخْبرونِي عَنْهُ يقولونَ إِنَّهُ حَاصِلٌ لَهُمْ مِنْهُ عَلَى إِنْعَامَاتٍ وصِحَّةٍ كثيرةٍ. وَفِي كُلِّ الأمورِ إِنِّي مُسْتَعِدٌّ لِطاعتِكم، وَمَا تأمرونَ بهِ جلَالتُكُمْ يُجْرَى عاجلًا.
مِنْ "ربوليولينو" مُديرِ اليهوديَّةِ بأورشليمَ إِلَى مَحْفِلِ قَيصرِ رومِيَةِ، وَهَذَا الخِطابُ المذكورُ وُجِدَ فِي خِزَانةِ الأمير "شَراوْيِنِي" مِنْ إيطاليا يَصِفُ فِيهِ شكلَ وأخبارَ السَّيِّدِ المسيحِ، وَهَا هُوَ بحروفِهِ:
أَيُّهَا الملِكُ بما أَنَّنِي فَهِمْتُ أَنَّكَ تَرْغَبُ معرفةَ مَا أُخْبِرُكَ بِهِ الآنَ، لِكَوْنِ فِي وَقْتِنَا هَذَا وُجِدَ رَجُلٌ عَائِشٌ عِيشةً فاضِلةً يَدْعُونَهُ: "رسولَ الفضيلةِ" وتلَاميذُهُ يقولونَ إِنَّهُ: "ابنُ اللَّهِ" خالقِ السماءِ والأرضِ وكُلِّ مَا يوجدُ فِيهِمَا.
بالحقيقةِ إِنَّ كُلَّ يومٍ نسمعُ أُمورًا عجيبةً عَنْ يسوعَ هَذَا، فَيُقِيمُ الموتى ويَشفِي السُّقَماءَ بكلمةٍ واحِدةٍ، وَهُوَ مُعتدِلُ القامَةِ وجَميلُ المنظَرِ جدًّا ووجهُهُ ذُو هَيبةٍ هَكَذَا، حتى إِنَّ الَّذِينَ يَنظُرونَ إِلَيْهِ يَشعُرونَ باجتذابِهِم إِلَيْهِ، ويُحبونَهُ ويَخافونَهُ.
وشعرُ رأسِهِ نازِلٌ إِلَى أُذنيْهِ ومِنْ أُذنيْهِ مُسْتَدْلٍ عَلَى كَتِفَيْهِ وَهُوَ بِلَوْنِ التُّرابِ إِنَّمَا عَلَيْهِ ضِيَاءٌ. وَفِي وسَطِ جَبينِهِ غُرَّةٌ كعادَةِ الناصريِّينَ. أَمَّا جَبينُهُ فَمَبْسوطٌ كثِيرُ الصَّفَاوَةِ، وَوَجْهُهُ ليسَ فِيهِ تَجَعُّدٌ وَلَا علَامَةٌ البَّتةَ. وفَخذَاهُ بغايَةِ الاعتِدَالِ، وأَنْفُهُ وفمُهُ لَا يُعبَّرَانِ بِحُسْنٍ فِي أحَدٍ، ومنظرُهُ يَفِيضُ خُشوعًا، وَوَرَعًا وعَيْناهُ كأشعةِ الشَّمسِ، وَلَا أحدَ يقدِرُ أَنْ يُحَدِّقَ بنَظرِهِ إِلَيْهِ مِنْ كَثرةِ الضِّياءِ.
وإذا وبَّخَ أَرْهَبَ وَإِنْ نَصَحَ أَبْكَى. ويجعَلُ الجميعَ يَحترمونَهُ؛ لِأَنَّهُ ذُو سَمَاحَةٍ وهَيْبةٍ، ويَقولونَ إِنَّهُ لَمْ يُنظَرْ ضَاحِكًا بَلْ بَاكِيًا. وذِراعَاهُ ويداهُ زائدةُ الجمالِ.
أَمَّا فِي الاجتماعاتِ فيُرْضِي كثيرينَ، ولكنْ يَنظُرُ لهُمْ نادرًا، وعندَ وُجودِهِ بَينهُمْ يجلِسُ بغايَةِ التهذِيبِ ففِي رؤيتِهِ وشكلِهِ هُوَ أجْمَلُ إنسانٍ يُمكنُ تخيُّلُهُ، ومُشَابِهٌ بمقدارٍ عظيمٍ لأُمِّهِ الَّتِي هِيَ أجملُ فتاةٍ يُمكنُ مُشاهَدَتُها أوْ تُشاهَدُ قطُّ بهَذِهِ الجِهَاتِ.
فيَا أَيُّهَا الملِكُ إِنْ رَغِبْتَ جلَالتُكُمُ أَنْ تَراهُ فأَخْبِرْنِي لكِيْ لَا أتَقَاعَدَ عَنْ تَوَجُّهِهِ إلَيْكَ سريعًا. لكنَّهُ بالعُلومِ قدْ أَذْهَلَ مدينةَ أورُشَليمَ بأجْمَعِهَا فيَعْرِفُ كَافَّةَ العُلومِ مِنْ غيرِ أَنْ يتعلَّمَ. وتَارَةً يَمشِي حَافِيَ الأقْدَامِ مَكْشوفَ الرأسِ، وكثيرونَ عندَ نظرهِمْ إِلَيْهِ يَضحكونَ مِنهُ. أَمَّا فِي حُضورِهِ أو التَّكَلُّمِ معهُ فَإِنَّهُ يُرْهِبُ ويُذْهِلُ ويقولونَ إِنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ قطُّ عَنْ رَجُلٍ هَكَذَا فِي الجِهَاتِ. وبالحقيقةِ مِثْلَ مَا يقولُ لِي اليهودُ إِنَّنَا لَمْ نَسْمَعْ قطُّ مَشُوراتِ حِكْمَةٍ مِنْ أحدٍ كمثلِ مَا يُعَلِّمُ يسوعُ هَذَا. وكثيرونَ آخَرونَ يَتَهَكَّمونَ ويشتكونَ لِي مِنْهُ قائلينَ إِنَّهُ مُضَادِدٌ لشَريعةِ عظمتِكُم وتَرَانِي مُعَنَّفًا جدًّا مِنْ هؤلَاءِ اليهودِ الأشرارِ. ويقولونَ إِنَّهُ مَا أغاظَ أحدًا قطُّ، بَلْ كَافَّةُ الَّذِينَ عَرَفوهُ أخْبرونِي عَنْهُ يقولونَ إِنَّهُ حَاصِلٌ لَهُمْ مِنْهُ عَلَى إِنْعَامَاتٍ وصِحَّةٍ كثيرةٍ. وَفِي كُلِّ الأمورِ إِنِّي مُسْتَعِدٌّ لِطاعتِكم، وَمَا تأمرونَ بهِ جلَالتُكُمْ يُجْرَى عاجلًا.
* انزال السيد المسيح له المجد عن الصليب ووضعه في القبر *
جرتِ العادةُ عِندَ الرُّومانيينَ أَنْ يَترُكوا جُثَثَ المَصلُوبينَ عَلَى صُلبَانِهِمْ حتى تأكُلَها الجوارحُ أو وُحوشُ البريَّةِ أو تتلَاشى مِن ذاتِها. وَأَمَّا اليهودُ فكَانَ عَلَيْهِمْ أمرٌ صريحٌ مِن اللَّهِ أَنْ لَا تَبيتَ جُثّةُ المُعلَّقِ عَلَى الخشبةِ، بل تُنزَلُ وتُدفَنُ فِي ذاتِ اليومِ الَّذِي يُصلَبُ فِيهِ (48)، وكانوا يَطْرَحُونَ جُثثَ القَتْلى فِي حُفرةٍ فِي وادي "هِنُّوم". ويُسمَّى هَذَا الوادي بعدةِ أسماءٍ مِنْها الجزءُ الواقعُ جنوبَ غربِيِّ أُورُشليمَ يُدعى بوادي "ربابة"، ويُسمَّى فِي الكتابِ المُقدَّسِ وادي "هِنُّومَ" (49)، ووادي ابن "هِنُّومَ" (50)، ووادي "بني هِنُّومَ" (51)، وَهُوَ وادٍ يَنحدرُ مِن بابِ الخليلِ إِلَى بئرِ أيوبَ، ويفصلُ جَبلَ صهيونَ عن تَلِّ المؤامرةِ السيئةِ، ويُسمَّى الجزءُ الجنوبيُّ الشرقيُّ مِنْ هَذَا الوادي "توفة" (52)، أو وادي "القتل" (53)، وَكَانَ تُخُمًا بين بنيامينَ ويهوذا. وبَنَى سُليمانُ عَلَى الجُرْفِ الجنوبيِّ المُشرفِ عَلَيْهِ مُرتفعاتٍ لموآبَ (54) وأجازَ آحازَ ومنسَّى أولَادَهُما بالنَّارِ فِي هَذَا الوادي (55)، وأبَطلَ يُوشِيّا هَذِهِ العبادةَ بتنجيسِهِ الوادي والمرتفعاتِ بِعظامِ الناسِ وبأشياءَ أُخرَ دَنِسةٍ، وبتكسيرِهِ التماثيلَ وقطعِهِ السواريَ (56). ومِن ثَمَّ صار مُتَغَوِّطًا، تَنْصَبُّ إِلَيْهِ بواليعُ البَلَدِ، ومَرمَى كُناسَاتِها. وبالنَّظَرِ إِلَى مَا تنجَّسَ بهِ هَذَا الوادي مِن نارِ "مُولَكَ" ومِنْ ثَمَّ بالنيرانِ المُستعملةِ لإحراقِ الكُناسَاتِ أخذَ اليهودُ يُسمّونهُ جَهَنَّمَ (أَيْ أرض هِنُّومَ). وجعلُوهُ عَلَمًا لموضعِ العِقَابِ، وَفِيهِ طُرِحَتْ جُثَّتا اللِّصَّيْنِ. ولولا أَنَّ يوسِفَ تقدَّمَ إِلَى بيلَاطُسَ وطلبَ جسدَ الرَّبِّ يسوعَ لَطُرِحَ معَ اللِّصَّيْنِ كَمَا كَانَ قَصْدُ رؤساءِ اليهودِ.
فأخذَ "يوسفُ" الجسدَ وساعدهُ عَلَى ذَلِكَ "نيقوديموس" الَّذِي يُماثِلُهُ لكونهِ مِنْ أعضاءِ مجلسِ السَّبعينَ، وَهَذَا أَتَى بمئةِ رطلِ طيبٍ مِنْ مَزيجِ المُرِّ والعُودِ، وَهُوَ أَيْضًا كَانَ يوافِقُ "يوسِفَ" فِي الرأيِ ولَمْ يَكُنْ مُوافِقًا عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي أَصْدَرَهُ اليهودُ ضِدَّ يسوعَ (57)، ولَفَّاهُ بكتَّانٍ نَقِيٍّ وَهَذَا لَا يَفعلُهُ إِلَّا الأغنياءُ والشُّرفاءُ وذَوُو المقاماتِ الرفِيعةِ. وَكَانَ ذَلِكَ الكتَّانُ شُقَّةً طويلةً تُلَفُّ عَلَى الجِسمِ جُملةَ مرّاتٍ وَلَا بُدَّ مِن أَنَّ الأطيابَ وُضِعَتْ عَلَى الجسمِ وضُمِّخَ بها، وبَعْدَ ذَلِكَ لُفَّ باللِّفافةِ ووُضِعَ فِي القَبرِ. فكَمَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ عَيَّنَ قبلًا "يوسفَ النجارَ" ليَعتنيَ بيسوعَ فِي طفولِيَّتِهِ قَدْ عَيَّنَ الآنَ "يوسفَ" آخَرَ ليدفِنَهُ. وَهَذَا يُذكِّرُنا "بيوسفَ بنِ يعقوبَ" فِي العهدِ القديمِ الَّذِي أَعَدَّ القُوتَ لشعبِ إسرائيلَ فِي مِصْرَ.
وَهُنا نرى أَيْضًا عنايةَ اللَّهِ العظيمةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِ السيدةِ مريمَ العذراءِ ولَا التلَاميذِ أَنْ يأخذوا الجسدَ ولكنَّ "يوسِفَ" الَّذِي لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ الوقتِ كتلميذٍ بل كإنسانٍ غَنِيٍّ ومُشيرٍ أخَذَهُ بغايةِ السُّهولةِ. وتَمَّتْ نُبوةُ إشَعْياءَ: "جُعِلَ مَعَ الأشرارِ قَبْرُهُ، ومع غَنِيٍّ عِنْدَ مَوتِهِ" (58). ثُمَّ إِنَّ "نيقوديموسَ " الَّذِي أتَى إِلَى يسوعَ قبلَ الآنَ بثلَاثِ سنينَ لكي يَتَعلَّمَ مِنْهُ (59) ظَهَرَ وقتئذٍ أَيْضًا كصَدِيقٍ ليوسفَ وساعدَهُ فِي الاستعداداتِ لدفنِ المُخلِّصِ - لهُ المجدُ - وقد وُضِعَ فِي قبرٍ جديدٍ لَمْ يوضَعْ فِيهِ أحدٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ عيَّنَ أَنَّ الَّذِي لَا يَرَى الفسادَ لَا يُوضَعُ فِي قَبْرٍ مَعَ أجسادٍ أُخرَى تفْسَدُ (60)، فما أَعْجَبَ عنايةَ اللَّهِ وتدبيرَهُ!
إِنَّ جَسدَ الرَّبِّ قد وُضِعَ فِي القبرِ يومَ الجُمُعَةِ قبلَ غُروبِ الشَّمسِ وقامَ فِي صَباحِ الأحدِ باكرًا، فتكونُ المُدةُ الَّتِي نامَها السَّيِّدُ فِي القبرِ نحْوَ ستٍ وثلَاثينَ ساعةً: جُزءٌ مِنْ يَوْمِ الجُمُعةِ. ويومُ السبتِ بليلهِ، وجزءٌ مِنْ يَوْمِ الأحدِ الَّذِي قامَ فِيهِ باكرًا. فقد تُعتبرُ هَذِهِ المُدةُ ثلَاثةَ أيامٍ وثلَاثَ ليالٍ. وَذَلِكَ مبدأٌ فِي كتابِ التلمودِ الَّذِي يُعَدُّ أقْدسَ كتابٍ عندَ اليهودِ بعد كتابِ اللَّهِ. وَهُوَ أَنَّ إضافةَ ساعةٍ إِلَى يومٍ تُحسَبُ يومًا آخرَ، وإضافةُ يومٍ إِلَى سَنَةٍ يُحسَبُ سَنةً أُخرَى. وكذا كَانَ الأمرُ فِي سفرِ أستيرَ (61). وَهَكَذَا جارٍ هَذَا الاصطلَاحُ لوقتِنا هَذَا فِي حُكومَتِنا، وجَميعِ الحُكوماتِ تَحسِبُ يومًا واحدًا مِنَ السَّنَةِ سَنَةً كاملةً. مثلًا فَلَوْ وُلِدَ الطفلُ فِي آخِر يومٍ مِنَ السَّنةِ تُحسَبُ لهُ السَّنةُ كُلُّها. وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ القولُ بأَنَّ السَّيِّدَ المسيحَ قد مكثَ فِي القبرِ ثلَاثةَ أيامٍ وثلَاثَ ليالٍ. ولولا ذَلِكَ لاعترضَ اليهودُ عَلَى المسيحيينَ، وادَّعَوْا كَذِبَ مَسِيحِهِمْ لعدَمِ إتمامِ وعدِهِ بقيامتِهِ صباحَ اليومِ الثالثِ. ولكنَّهُمْ لَمْ يأتُوا هَذَا الاعتراضَ بالمرَّةِ.
-------------------
(1) (1مل 15: 13) و(2أي 15: 16)
(2) (2أي 29: 16)
(3) (2صم 15: 23، 30)
(4) (يو 18: 1)
(5) (خر 29)
(6) (عد 3: 10)
(7) (لا 10: 6، 21: 10)
(8) (لا 24: 16)
(9) (مت 27: 3)
(10) (لو 23: 1)
(11) (أع 23: 33 و25: 1، 4، 6، 13)
(12) (لو 3: 1)
(13) (لو 13: 32)
(14) (لو 23: 7 - 12)، (أع 4: 27)
(15) (لو 13: 1)
(16) (مت 27: 24)
(17) (أع 22: 25)
(18) (مت 27: 34)
(19) (أم 31: 6، 7)
(20) (عد 16: 31، 32)
(21) (مت 27: 46)، (عب 5: 7)، (مز 22: 1)
(22) (عب 2: 9)
(23) (عب 2: 9)
(24) (إش 53: 10)
(25) (إش 53: 5)
(26) (1بط 3: 18)
(27) (مت 27: 50)، (مر 15: 37)، (لو 23: 46)
(28) (يو 4: 7)
(29) (يو 4: 6)
(30) (عب 5: 7)
(31) (يو 11: 35)
(32) (مر 14: 34)
(33) (عب 4: 15)
(34) (يو 6: 10)
(35) (رؤ 21: 6)
(36) (مت 11: 28)
(37) (2كو 1: 3، 4)
(38) (1كو 10: 13)
(39) (1بط 2: 24)
(40) (رو 8: 3)
(41) (1بط 3: 18)
(42) (1تـي 6: 16)
(43) (رو 5: 12)
(44) (رو 3: 10 - 12)
(45) (يو 1: 3)
(46) (غل 4: 4، 5)
(47) (حز 18: 20)
(48) (تث 21: 23)
(49) (يش 15: 8)، (نح 11: 30)
(50) (يش 15: 8 و18: 16)
(51) (2مل 23: 10)
(52) (إر 7: 31)، (2مل 23: 10)
(53) (إر 7: 32 و19: 6)
(54) (1مل 11: 7)
(55) (2مل 16: 3)، (2أي 28: 3 و33: 6)
(56) (2مل 23: 10، 13، 14)، (2أي 34: 4، 5)
(57) (يو 7: 50 - 52)
(58) (إش 53: 9)
(59) (يو 3: 2)
(60) (مز 16: 10)، (أع 2: 31)
(61) (أس 4: 15، 16)
جرتِ العادةُ عِندَ الرُّومانيينَ أَنْ يَترُكوا جُثَثَ المَصلُوبينَ عَلَى صُلبَانِهِمْ حتى تأكُلَها الجوارحُ أو وُحوشُ البريَّةِ أو تتلَاشى مِن ذاتِها. وَأَمَّا اليهودُ فكَانَ عَلَيْهِمْ أمرٌ صريحٌ مِن اللَّهِ أَنْ لَا تَبيتَ جُثّةُ المُعلَّقِ عَلَى الخشبةِ، بل تُنزَلُ وتُدفَنُ فِي ذاتِ اليومِ الَّذِي يُصلَبُ فِيهِ (48)، وكانوا يَطْرَحُونَ جُثثَ القَتْلى فِي حُفرةٍ فِي وادي "هِنُّوم". ويُسمَّى هَذَا الوادي بعدةِ أسماءٍ مِنْها الجزءُ الواقعُ جنوبَ غربِيِّ أُورُشليمَ يُدعى بوادي "ربابة"، ويُسمَّى فِي الكتابِ المُقدَّسِ وادي "هِنُّومَ" (49)، ووادي ابن "هِنُّومَ" (50)، ووادي "بني هِنُّومَ" (51)، وَهُوَ وادٍ يَنحدرُ مِن بابِ الخليلِ إِلَى بئرِ أيوبَ، ويفصلُ جَبلَ صهيونَ عن تَلِّ المؤامرةِ السيئةِ، ويُسمَّى الجزءُ الجنوبيُّ الشرقيُّ مِنْ هَذَا الوادي "توفة" (52)، أو وادي "القتل" (53)، وَكَانَ تُخُمًا بين بنيامينَ ويهوذا. وبَنَى سُليمانُ عَلَى الجُرْفِ الجنوبيِّ المُشرفِ عَلَيْهِ مُرتفعاتٍ لموآبَ (54) وأجازَ آحازَ ومنسَّى أولَادَهُما بالنَّارِ فِي هَذَا الوادي (55)، وأبَطلَ يُوشِيّا هَذِهِ العبادةَ بتنجيسِهِ الوادي والمرتفعاتِ بِعظامِ الناسِ وبأشياءَ أُخرَ دَنِسةٍ، وبتكسيرِهِ التماثيلَ وقطعِهِ السواريَ (56). ومِن ثَمَّ صار مُتَغَوِّطًا، تَنْصَبُّ إِلَيْهِ بواليعُ البَلَدِ، ومَرمَى كُناسَاتِها. وبالنَّظَرِ إِلَى مَا تنجَّسَ بهِ هَذَا الوادي مِن نارِ "مُولَكَ" ومِنْ ثَمَّ بالنيرانِ المُستعملةِ لإحراقِ الكُناسَاتِ أخذَ اليهودُ يُسمّونهُ جَهَنَّمَ (أَيْ أرض هِنُّومَ). وجعلُوهُ عَلَمًا لموضعِ العِقَابِ، وَفِيهِ طُرِحَتْ جُثَّتا اللِّصَّيْنِ. ولولا أَنَّ يوسِفَ تقدَّمَ إِلَى بيلَاطُسَ وطلبَ جسدَ الرَّبِّ يسوعَ لَطُرِحَ معَ اللِّصَّيْنِ كَمَا كَانَ قَصْدُ رؤساءِ اليهودِ.
فأخذَ "يوسفُ" الجسدَ وساعدهُ عَلَى ذَلِكَ "نيقوديموس" الَّذِي يُماثِلُهُ لكونهِ مِنْ أعضاءِ مجلسِ السَّبعينَ، وَهَذَا أَتَى بمئةِ رطلِ طيبٍ مِنْ مَزيجِ المُرِّ والعُودِ، وَهُوَ أَيْضًا كَانَ يوافِقُ "يوسِفَ" فِي الرأيِ ولَمْ يَكُنْ مُوافِقًا عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي أَصْدَرَهُ اليهودُ ضِدَّ يسوعَ (57)، ولَفَّاهُ بكتَّانٍ نَقِيٍّ وَهَذَا لَا يَفعلُهُ إِلَّا الأغنياءُ والشُّرفاءُ وذَوُو المقاماتِ الرفِيعةِ. وَكَانَ ذَلِكَ الكتَّانُ شُقَّةً طويلةً تُلَفُّ عَلَى الجِسمِ جُملةَ مرّاتٍ وَلَا بُدَّ مِن أَنَّ الأطيابَ وُضِعَتْ عَلَى الجسمِ وضُمِّخَ بها، وبَعْدَ ذَلِكَ لُفَّ باللِّفافةِ ووُضِعَ فِي القَبرِ. فكَمَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ عَيَّنَ قبلًا "يوسفَ النجارَ" ليَعتنيَ بيسوعَ فِي طفولِيَّتِهِ قَدْ عَيَّنَ الآنَ "يوسفَ" آخَرَ ليدفِنَهُ. وَهَذَا يُذكِّرُنا "بيوسفَ بنِ يعقوبَ" فِي العهدِ القديمِ الَّذِي أَعَدَّ القُوتَ لشعبِ إسرائيلَ فِي مِصْرَ.
وَهُنا نرى أَيْضًا عنايةَ اللَّهِ العظيمةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِ السيدةِ مريمَ العذراءِ ولَا التلَاميذِ أَنْ يأخذوا الجسدَ ولكنَّ "يوسِفَ" الَّذِي لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ الوقتِ كتلميذٍ بل كإنسانٍ غَنِيٍّ ومُشيرٍ أخَذَهُ بغايةِ السُّهولةِ. وتَمَّتْ نُبوةُ إشَعْياءَ: "جُعِلَ مَعَ الأشرارِ قَبْرُهُ، ومع غَنِيٍّ عِنْدَ مَوتِهِ" (58). ثُمَّ إِنَّ "نيقوديموسَ " الَّذِي أتَى إِلَى يسوعَ قبلَ الآنَ بثلَاثِ سنينَ لكي يَتَعلَّمَ مِنْهُ (59) ظَهَرَ وقتئذٍ أَيْضًا كصَدِيقٍ ليوسفَ وساعدَهُ فِي الاستعداداتِ لدفنِ المُخلِّصِ - لهُ المجدُ - وقد وُضِعَ فِي قبرٍ جديدٍ لَمْ يوضَعْ فِيهِ أحدٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ عيَّنَ أَنَّ الَّذِي لَا يَرَى الفسادَ لَا يُوضَعُ فِي قَبْرٍ مَعَ أجسادٍ أُخرَى تفْسَدُ (60)، فما أَعْجَبَ عنايةَ اللَّهِ وتدبيرَهُ!
إِنَّ جَسدَ الرَّبِّ قد وُضِعَ فِي القبرِ يومَ الجُمُعَةِ قبلَ غُروبِ الشَّمسِ وقامَ فِي صَباحِ الأحدِ باكرًا، فتكونُ المُدةُ الَّتِي نامَها السَّيِّدُ فِي القبرِ نحْوَ ستٍ وثلَاثينَ ساعةً: جُزءٌ مِنْ يَوْمِ الجُمُعةِ. ويومُ السبتِ بليلهِ، وجزءٌ مِنْ يَوْمِ الأحدِ الَّذِي قامَ فِيهِ باكرًا. فقد تُعتبرُ هَذِهِ المُدةُ ثلَاثةَ أيامٍ وثلَاثَ ليالٍ. وَذَلِكَ مبدأٌ فِي كتابِ التلمودِ الَّذِي يُعَدُّ أقْدسَ كتابٍ عندَ اليهودِ بعد كتابِ اللَّهِ. وَهُوَ أَنَّ إضافةَ ساعةٍ إِلَى يومٍ تُحسَبُ يومًا آخرَ، وإضافةُ يومٍ إِلَى سَنَةٍ يُحسَبُ سَنةً أُخرَى. وكذا كَانَ الأمرُ فِي سفرِ أستيرَ (61). وَهَكَذَا جارٍ هَذَا الاصطلَاحُ لوقتِنا هَذَا فِي حُكومَتِنا، وجَميعِ الحُكوماتِ تَحسِبُ يومًا واحدًا مِنَ السَّنَةِ سَنَةً كاملةً. مثلًا فَلَوْ وُلِدَ الطفلُ فِي آخِر يومٍ مِنَ السَّنةِ تُحسَبُ لهُ السَّنةُ كُلُّها. وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ القولُ بأَنَّ السَّيِّدَ المسيحَ قد مكثَ فِي القبرِ ثلَاثةَ أيامٍ وثلَاثَ ليالٍ. ولولا ذَلِكَ لاعترضَ اليهودُ عَلَى المسيحيينَ، وادَّعَوْا كَذِبَ مَسِيحِهِمْ لعدَمِ إتمامِ وعدِهِ بقيامتِهِ صباحَ اليومِ الثالثِ. ولكنَّهُمْ لَمْ يأتُوا هَذَا الاعتراضَ بالمرَّةِ.
-------------------
(1) (1مل 15: 13) و(2أي 15: 16)
(2) (2أي 29: 16)
(3) (2صم 15: 23، 30)
(4) (يو 18: 1)
(5) (خر 29)
(6) (عد 3: 10)
(7) (لا 10: 6، 21: 10)
(8) (لا 24: 16)
(9) (مت 27: 3)
(10) (لو 23: 1)
(11) (أع 23: 33 و25: 1، 4، 6، 13)
(12) (لو 3: 1)
(13) (لو 13: 32)
(14) (لو 23: 7 - 12)، (أع 4: 27)
(15) (لو 13: 1)
(16) (مت 27: 24)
(17) (أع 22: 25)
(18) (مت 27: 34)
(19) (أم 31: 6، 7)
(20) (عد 16: 31، 32)
(21) (مت 27: 46)، (عب 5: 7)، (مز 22: 1)
(22) (عب 2: 9)
(23) (عب 2: 9)
(24) (إش 53: 10)
(25) (إش 53: 5)
(26) (1بط 3: 18)
(27) (مت 27: 50)، (مر 15: 37)، (لو 23: 46)
(28) (يو 4: 7)
(29) (يو 4: 6)
(30) (عب 5: 7)
(31) (يو 11: 35)
(32) (مر 14: 34)
(33) (عب 4: 15)
(34) (يو 6: 10)
(35) (رؤ 21: 6)
(36) (مت 11: 28)
(37) (2كو 1: 3، 4)
(38) (1كو 10: 13)
(39) (1بط 2: 24)
(40) (رو 8: 3)
(41) (1بط 3: 18)
(42) (1تـي 6: 16)
(43) (رو 5: 12)
(44) (رو 3: 10 - 12)
(45) (يو 1: 3)
(46) (غل 4: 4، 5)
(47) (حز 18: 20)
(48) (تث 21: 23)
(49) (يش 15: 8)، (نح 11: 30)
(50) (يش 15: 8 و18: 16)
(51) (2مل 23: 10)
(52) (إر 7: 31)، (2مل 23: 10)
(53) (إر 7: 32 و19: 6)
(54) (1مل 11: 7)
(55) (2مل 16: 3)، (2أي 28: 3 و33: 6)
(56) (2مل 23: 10، 13، 14)، (2أي 34: 4، 5)
(57) (يو 7: 50 - 52)
(58) (إش 53: 9)
(59) (يو 3: 2)
(60) (مز 16: 10)، (أع 2: 31)
(61) (أس 4: 15، 16)