بيان يوم الاثنين
+بيان يوم الاثنين
خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ بَيْتِ عَنْيَا الواقِعةِ عَلَى سَفحِ جَبَلِ الزَّيْتونِ الشَّرقيِّ الَّتِي اشتَهَرَتْ بأَنَّهَا وطنُ لعازرَ وأُختَيْهِ مريمَ ومَرثا، وَهِيَ عَلَى بُعْدِ خَمْسِ عَشرةَ غَلوةً أيْ نحو ثلَاثةِ أَرباعِ الساعةِ مِنْ أورُشليمَ (1) قاصدًا الهَيْكلَ لِأَنَّهُ كَمَا قُلْنَا فِي غَيْرِ هَذَا المَوْضِعِ كَانَ يَصْرِفُ فِي هَذَا الأُسبوعِ نَهَارَهُ فِي الهَيْكلِ وَفِي المساءِ كَانَ يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ عنيا ليَبِيتَ هُناكَ حَسَبَ قَوْلِ لوقا البشيرِ: "وَكَانَ فِي النَّهارِ يُعَلِّمُ فِي الهَيْكلِ، وَفِي اللَّيْلِ يَخْرُجُ ويَبِيتُ فِي الجبلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيتونِ. وَكَانَ كُلُّ الشَّعْبِ يُبكِّرونَ إِلَيْهِ فِي الهَيْكلِ ليَسْمَعُوهُ" (2). فبينما هُوَ مَارٌّ مِنْ بَيْتِ عنيا إِلَى الهَيْكلِ صباحَ يَوْمِ الإثنينِ لَعَنَ شَجَرَةَ التِّينِ غيرِ المُثمِرَةِ كَمَا وَرَدَ فِي إنجيلَيْ متَّى ومَرْقُسَ (3).
والسببُ الَّذِي لِأَجْلِهِ لَعَنَ المسيحُ تِلْكَ الشَجَرةَ هُوَ أَنَّهَا كانتْ مُورِقَةً والعَادَةُ أَنْ يَظهرَ الثَّمَرُ معَ الوَرَقِ وينضُجُ أحيانًا بَعْضُ الثَّمَرِ قَبْلَ غَيْرِهِ بأيامٍ لَيْسَتْ بقَليلةٍ، وَهُوَ المعروفُ عِنْدَ بَعْضِ العامَّةِ بالدِّيفورِ. وجاءَ فِي إنجيلِ مَرْقُسَ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وقتُ نُضْجِ التِّينِ. وإذْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ التِّينِ، كَانَ يُقْتَضَى أَنْ لَا يَكونَ فِيهَا وَرَقٌ. فوُجودُ الورَقِ قَبْلَ حينِهِ فِي تلكَ التِّينةِ كَانَ كدعْوَى عَلَى أَنَّهَا مُثْمِرَةٌ قَبْلَ أَوانِ الإِثمارِ ولَمْ يُوجَدْ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الثَّمَرِ الفَجِّ وَلَا مِنَ الثَّمَرِ النَّاضِجِ وَلَا أَمارَةٌ عَلَى أَنَّهَا سَتُثْمِرُ. فَتِلكَ الشَجَرةُ الكثيرةُ الورَقِ الخاليةُ مِنَ الثَّمرِ المُبكِّرِ والمُتأخِرِ، كانتُ تُمَثِّلُ حالةَ الأُمَّةِ اليهوديةِ، الَّتِي ادَّعَتْ أَنَّهَا الأُمّةُ المُنفرِدةُ بالقداسةِ عَلَى الأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهَا الشريعةُ والهَيْكلُ والرسومُ والشعائرُ الدينيَّةُ مِنَ الأَصوامِ والأَعيادِ والذبائحِ الصباحيةِ والمسائيَّةِ. ومع ذَلِكَ فَإِنَّهَا خَلَتْ مِنَ الإِيمانِ والمحبةِ والقداسةِ والتواضعِ والاستعدادِ لقَبُولِ السيدِ المسيحِ وإطاعةِ أوامرِهِ. فافتَخَرتْ بِكَوْنِها شعبَ اللَّهِ الخاصِّ ورَفَضتِ ابنَهُ الَّذِي أَرسَلَهُ حَسَبَ نُبُوَّاتِ الأنبياءِ. فبأَعمالِهم هَذِهِ كانوا يَتَكَلَّمُونَ بِغَيْرِ مَا يُبْطِنُونَ وَلِذَلِكَ أَعطَاهُمُ المُخلِّصُ لَهُ المجدُ الوَيْل قائلًا: " ويلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الكتبةُ والفَرّيسيونَ المُراؤونَ، لِأَنَّكُمْ تُشبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خارِجٍ جميلةً، وَهِيَ مِنْ داخلٍ مَملُوءَةٌ عِظامَ أمواتٍ وكلَّ نجاسةٍ. هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا: مِنْ خارِجٍ تَظْهَرونَ للناسِ أبرارًا، ولكِنَّكُم مِنْ داخِلٍ مَشْحونونَ رياءً وإثْمًا!" (4).
وقالَ بولُسُ الرسولُ: " لَهُمْ صورةُ التَّقوَى وهُمْ يُنكِرونَ قُوَّتَها " (5). وَمَا لَنَا واليهود ونحْنُ نتظاهَرُ بالتقوَى والقداسةِ والعِفَّةِ والقناعةِ والمحبةِ والوداعةِ واللُّطفِ والإِحسانِ والاستقامةِ وحِفْظِ وصايا اللَّهِ ولَمْ نَعْمَلْ وَلَا بِواحِدَةٍ مِنْهَا.
أَلَيْسَ هَذَا هُوَ كذبًا ورياءً ونفاقًا وغرورًا بالنَّفْسَ وتضليلًا بالأَذهانِ. " والآنَ قد وُضِعَتِ الفأسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فكُلُّ شَجَرةٍ لَا تَصْنَعُ ثمرًا جَيِّدًا تُقطَعُ وتُلقَى فِي النَّارِ " (6).
فالسيدُ المسيحُ لَعَنَ التِّينةَ ليسَ لِأَنَّهَا بلَا ثَمرٍ بَلْ لكثرةِ أَوْراقِها كأَنَّهَا ادَّعَتِ الإِثمارَ كَذِبًا. هَكَذَا يُعَامِلُ اللَّهُ الإِنْسانَ غيرَ المُثْمِرِ ويُبَكِّتُهُ بمَا جاءَ فِي رسالةِ يَهُوذا قائلًا: " غُيومٌ بلَا ماءٍ تَحمِلُها الرِّياحُ. أشجارٌ خريفيَّةٌ بلَا ثَمَرٍ ميِّتةٌ مُضاعَفًا، مُقْتَلَعةٌ. أمواجُ بحرٍ هائجةٌ مُزْبِدةٌ بِخِزْيِهِمْ. نُجومٌ تائهةٌ محفوظٌ لَهَا قَتَامُ الظَّلامِ إِلَى الأَبدِ " (7).
"وَلَمَّا دَخَلَ يسوعُ الهَيْكلَ ابتَدأَ يُخرِجُ الَّذِينَ كانوا يَبِيعُونَ ويَشتَرونَ فِي الهَيْكَلِ، وقَلَّبَ موائِدَ الصَّيارِفَةِ وكَراسِيَّ باعَةِ الحَمَامِ. ولَمْ يَدَعْ أحدًا يَجتازُ الهَيْكَلَ بِمَتَاعٍ " (8). وقَدْ رَتَّبَ مَرْقُسُ الرسولُ حوادثَ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الأُسبوعِ الأخيرِ بحَسَبِ ترتيبِ وقُوعِهَا. فَيَذْكُرُ فِي بشارَتِهِ أَنَّ المسيحَ فِي أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ دُخُولِهِ أورُشليمَ دَخَلَ الهَيْكلَ ونَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ. وإذْ كَانَ الوَقْتُ قَدْ أَمْسَى خَرَجَ إِلَى بَيْتِ عَنيا (9). هَذَا مِنْ حوادثِ يَوْمِ الإثنَيْنِ. وأَتَى مِنْ بَيْتِ عنيا إِلَى أورُشليمَ صباحًا وَفِي أَثْناءِ سَيْرهِ حَدَثَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ التِّينةِ.
وقَدْ وَبَّخَ اللَّهُ اليَهودَ قديمًا فِي زمانِ إرْميَا النَّبيِّ عَلَى تَدْنِيسِهِمْ بَيْتَهُ بالعبادةِ الوثنيةِ بهَذِهِ العِبَارةِ: " ها إِنَّكُمْ مُتَّكِلُونَ عَلَى كَلَامِ الكَذِبِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ. أتَسْرِقُونَ وتَقْتُلُونَ وتَزْنُونَ وتَحْلِفُونَ كَذِبًا وتُبَخِّرُونَ للبَعْلِ، وتَسِيرُونَ وراءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا، ثُمَّ تَأتُونَ وتَقِفُونَ أمَامِي فِي هَذَا البَيْتِ الَّذِي دُعِيَ بِاسْمِي عَلَيْهِ وتَقُولُونَ: قَدْ أُنْقِذْنَا. حتى تَعْمَلُوا كُلَّ هَذِهِ الرَّجَاسَاتِ؟ هل صَارَ هَذَا البَيْتُ الَّذِي دُعِيَ بِاسْمِي عَلَيْهِ مَغَارَةَ لُصُوصٍ فِي أَعْيُنِكُمْ. هَأَنَذَا أَيْضًا قَدْ رَأيْتُ، يَقُولُ الرَّبُّ " (10).
وقدْ ظَهرَ للسَّيِّدِ المسيحِ لهُ المجدُ أَنَّ صُرَاخَ الباعةِ والشُّرَاةِ وأَصْواتَ البهائمِ ورُعاتِها فِي الهَيْكلِ تَليقُ بمغارةِ لُصوصٍ يُقَسِّمُونَ فِيهَا المسروقاتِ بالخصامِ. لَا بِبَيْتِ أبيهِ ومَقْدِسِهِ الموقَّرِ. فكأَنَّهُ يَقولُ لَهُمْ: دنَّسْتُمْ بَيْتي بتِجارتِكم المُحرَّمةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّكُم سَلَبتمُ اللَّهَ حَقَّهُ بِجَعْلِكُمُ المعبَدَ الإِلهيَّ سُوقًا للكَسْبِ البَشَريِّ، وأَضَعْتُمْ عَلَى العِبَادِ الفرصَةَ الَّتِي اغتنَموها ليرفعوا قلوبَهم إِلَى اللَّهِ بالصلَاةِ فِي مَقْدِسِهِ المُعَيَّنِ لَهَا. وسَلَبْتُمُ الغُرباءَ أموالَهُم. وتغالَيْتُمْ فِي بَيْع موادِّ التَّقْدِمَةِ وصَرْفِ النُّقودِ.
وقدْ مَضَى السيدُ لهُ المجدُ طِيلةَ هَذَا النهارِ فِي الهَيْكلِ يَطرُدُ المُدنِّسينَ لهُ حتَّى أَنَّهُ: " لَمْ يَدَعْ أحدًا يجتازُ الهَيْكلَ بِمَتَاعٍ " (11). وشَغَلَهُ بالتعليمِ وعَمَلِ المُعجِزاتِ. وَكَانَ رؤساءُ الكهنةِ وحُرَّاسُ الهَيْكلِ فِي ذَلِكَ الوقتِ ينظرونَ إِلَيْهِ بالغَيْظِ ويتآمرونَ عَلَى قَتْلِهِ غَيْرَ قادرينَ أَنْ يُتَمِّموا مَا تُكِنُّهُ صُدُورُهُم لهُ مِنَ الشَّرِّ.
-------------------
(1) (يو 11 :18(
(2) (لو 21 : 37، 38)
(3) (متي 21 : 18، 19) و(مر 11 : 12 – 20)
(4) (مت 23 : 27، 28)
(5) (2تي 3 : 5)
(6) (مت 3 : 10)
(7) (يه 1 : 12، 13)
(8) (مر 11 : 15، 16)
(9) (مر 11:11 – 14)
(10) (ار 7: 8- 11)
(11) (مر 11: 16)
خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ بَيْتِ عَنْيَا الواقِعةِ عَلَى سَفحِ جَبَلِ الزَّيْتونِ الشَّرقيِّ الَّتِي اشتَهَرَتْ بأَنَّهَا وطنُ لعازرَ وأُختَيْهِ مريمَ ومَرثا، وَهِيَ عَلَى بُعْدِ خَمْسِ عَشرةَ غَلوةً أيْ نحو ثلَاثةِ أَرباعِ الساعةِ مِنْ أورُشليمَ (1) قاصدًا الهَيْكلَ لِأَنَّهُ كَمَا قُلْنَا فِي غَيْرِ هَذَا المَوْضِعِ كَانَ يَصْرِفُ فِي هَذَا الأُسبوعِ نَهَارَهُ فِي الهَيْكلِ وَفِي المساءِ كَانَ يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِ عنيا ليَبِيتَ هُناكَ حَسَبَ قَوْلِ لوقا البشيرِ: "وَكَانَ فِي النَّهارِ يُعَلِّمُ فِي الهَيْكلِ، وَفِي اللَّيْلِ يَخْرُجُ ويَبِيتُ فِي الجبلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيتونِ. وَكَانَ كُلُّ الشَّعْبِ يُبكِّرونَ إِلَيْهِ فِي الهَيْكلِ ليَسْمَعُوهُ" (2). فبينما هُوَ مَارٌّ مِنْ بَيْتِ عنيا إِلَى الهَيْكلِ صباحَ يَوْمِ الإثنينِ لَعَنَ شَجَرَةَ التِّينِ غيرِ المُثمِرَةِ كَمَا وَرَدَ فِي إنجيلَيْ متَّى ومَرْقُسَ (3).
والسببُ الَّذِي لِأَجْلِهِ لَعَنَ المسيحُ تِلْكَ الشَجَرةَ هُوَ أَنَّهَا كانتْ مُورِقَةً والعَادَةُ أَنْ يَظهرَ الثَّمَرُ معَ الوَرَقِ وينضُجُ أحيانًا بَعْضُ الثَّمَرِ قَبْلَ غَيْرِهِ بأيامٍ لَيْسَتْ بقَليلةٍ، وَهُوَ المعروفُ عِنْدَ بَعْضِ العامَّةِ بالدِّيفورِ. وجاءَ فِي إنجيلِ مَرْقُسَ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وقتُ نُضْجِ التِّينِ. وإذْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ التِّينِ، كَانَ يُقْتَضَى أَنْ لَا يَكونَ فِيهَا وَرَقٌ. فوُجودُ الورَقِ قَبْلَ حينِهِ فِي تلكَ التِّينةِ كَانَ كدعْوَى عَلَى أَنَّهَا مُثْمِرَةٌ قَبْلَ أَوانِ الإِثمارِ ولَمْ يُوجَدْ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الثَّمَرِ الفَجِّ وَلَا مِنَ الثَّمَرِ النَّاضِجِ وَلَا أَمارَةٌ عَلَى أَنَّهَا سَتُثْمِرُ. فَتِلكَ الشَجَرةُ الكثيرةُ الورَقِ الخاليةُ مِنَ الثَّمرِ المُبكِّرِ والمُتأخِرِ، كانتُ تُمَثِّلُ حالةَ الأُمَّةِ اليهوديةِ، الَّتِي ادَّعَتْ أَنَّهَا الأُمّةُ المُنفرِدةُ بالقداسةِ عَلَى الأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهَا الشريعةُ والهَيْكلُ والرسومُ والشعائرُ الدينيَّةُ مِنَ الأَصوامِ والأَعيادِ والذبائحِ الصباحيةِ والمسائيَّةِ. ومع ذَلِكَ فَإِنَّهَا خَلَتْ مِنَ الإِيمانِ والمحبةِ والقداسةِ والتواضعِ والاستعدادِ لقَبُولِ السيدِ المسيحِ وإطاعةِ أوامرِهِ. فافتَخَرتْ بِكَوْنِها شعبَ اللَّهِ الخاصِّ ورَفَضتِ ابنَهُ الَّذِي أَرسَلَهُ حَسَبَ نُبُوَّاتِ الأنبياءِ. فبأَعمالِهم هَذِهِ كانوا يَتَكَلَّمُونَ بِغَيْرِ مَا يُبْطِنُونَ وَلِذَلِكَ أَعطَاهُمُ المُخلِّصُ لَهُ المجدُ الوَيْل قائلًا: " ويلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الكتبةُ والفَرّيسيونَ المُراؤونَ، لِأَنَّكُمْ تُشبِهُونَ قُبُورًا مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خارِجٍ جميلةً، وَهِيَ مِنْ داخلٍ مَملُوءَةٌ عِظامَ أمواتٍ وكلَّ نجاسةٍ. هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا: مِنْ خارِجٍ تَظْهَرونَ للناسِ أبرارًا، ولكِنَّكُم مِنْ داخِلٍ مَشْحونونَ رياءً وإثْمًا!" (4).
وقالَ بولُسُ الرسولُ: " لَهُمْ صورةُ التَّقوَى وهُمْ يُنكِرونَ قُوَّتَها " (5). وَمَا لَنَا واليهود ونحْنُ نتظاهَرُ بالتقوَى والقداسةِ والعِفَّةِ والقناعةِ والمحبةِ والوداعةِ واللُّطفِ والإِحسانِ والاستقامةِ وحِفْظِ وصايا اللَّهِ ولَمْ نَعْمَلْ وَلَا بِواحِدَةٍ مِنْهَا.
أَلَيْسَ هَذَا هُوَ كذبًا ورياءً ونفاقًا وغرورًا بالنَّفْسَ وتضليلًا بالأَذهانِ. " والآنَ قد وُضِعَتِ الفأسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فكُلُّ شَجَرةٍ لَا تَصْنَعُ ثمرًا جَيِّدًا تُقطَعُ وتُلقَى فِي النَّارِ " (6).
فالسيدُ المسيحُ لَعَنَ التِّينةَ ليسَ لِأَنَّهَا بلَا ثَمرٍ بَلْ لكثرةِ أَوْراقِها كأَنَّهَا ادَّعَتِ الإِثمارَ كَذِبًا. هَكَذَا يُعَامِلُ اللَّهُ الإِنْسانَ غيرَ المُثْمِرِ ويُبَكِّتُهُ بمَا جاءَ فِي رسالةِ يَهُوذا قائلًا: " غُيومٌ بلَا ماءٍ تَحمِلُها الرِّياحُ. أشجارٌ خريفيَّةٌ بلَا ثَمَرٍ ميِّتةٌ مُضاعَفًا، مُقْتَلَعةٌ. أمواجُ بحرٍ هائجةٌ مُزْبِدةٌ بِخِزْيِهِمْ. نُجومٌ تائهةٌ محفوظٌ لَهَا قَتَامُ الظَّلامِ إِلَى الأَبدِ " (7).
"وَلَمَّا دَخَلَ يسوعُ الهَيْكلَ ابتَدأَ يُخرِجُ الَّذِينَ كانوا يَبِيعُونَ ويَشتَرونَ فِي الهَيْكَلِ، وقَلَّبَ موائِدَ الصَّيارِفَةِ وكَراسِيَّ باعَةِ الحَمَامِ. ولَمْ يَدَعْ أحدًا يَجتازُ الهَيْكَلَ بِمَتَاعٍ " (8). وقَدْ رَتَّبَ مَرْقُسُ الرسولُ حوادثَ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الأُسبوعِ الأخيرِ بحَسَبِ ترتيبِ وقُوعِهَا. فَيَذْكُرُ فِي بشارَتِهِ أَنَّ المسيحَ فِي أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ دُخُولِهِ أورُشليمَ دَخَلَ الهَيْكلَ ونَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ. وإذْ كَانَ الوَقْتُ قَدْ أَمْسَى خَرَجَ إِلَى بَيْتِ عَنيا (9). هَذَا مِنْ حوادثِ يَوْمِ الإثنَيْنِ. وأَتَى مِنْ بَيْتِ عنيا إِلَى أورُشليمَ صباحًا وَفِي أَثْناءِ سَيْرهِ حَدَثَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ التِّينةِ.
وقَدْ وَبَّخَ اللَّهُ اليَهودَ قديمًا فِي زمانِ إرْميَا النَّبيِّ عَلَى تَدْنِيسِهِمْ بَيْتَهُ بالعبادةِ الوثنيةِ بهَذِهِ العِبَارةِ: " ها إِنَّكُمْ مُتَّكِلُونَ عَلَى كَلَامِ الكَذِبِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ. أتَسْرِقُونَ وتَقْتُلُونَ وتَزْنُونَ وتَحْلِفُونَ كَذِبًا وتُبَخِّرُونَ للبَعْلِ، وتَسِيرُونَ وراءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا، ثُمَّ تَأتُونَ وتَقِفُونَ أمَامِي فِي هَذَا البَيْتِ الَّذِي دُعِيَ بِاسْمِي عَلَيْهِ وتَقُولُونَ: قَدْ أُنْقِذْنَا. حتى تَعْمَلُوا كُلَّ هَذِهِ الرَّجَاسَاتِ؟ هل صَارَ هَذَا البَيْتُ الَّذِي دُعِيَ بِاسْمِي عَلَيْهِ مَغَارَةَ لُصُوصٍ فِي أَعْيُنِكُمْ. هَأَنَذَا أَيْضًا قَدْ رَأيْتُ، يَقُولُ الرَّبُّ " (10).
وقدْ ظَهرَ للسَّيِّدِ المسيحِ لهُ المجدُ أَنَّ صُرَاخَ الباعةِ والشُّرَاةِ وأَصْواتَ البهائمِ ورُعاتِها فِي الهَيْكلِ تَليقُ بمغارةِ لُصوصٍ يُقَسِّمُونَ فِيهَا المسروقاتِ بالخصامِ. لَا بِبَيْتِ أبيهِ ومَقْدِسِهِ الموقَّرِ. فكأَنَّهُ يَقولُ لَهُمْ: دنَّسْتُمْ بَيْتي بتِجارتِكم المُحرَّمةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّكُم سَلَبتمُ اللَّهَ حَقَّهُ بِجَعْلِكُمُ المعبَدَ الإِلهيَّ سُوقًا للكَسْبِ البَشَريِّ، وأَضَعْتُمْ عَلَى العِبَادِ الفرصَةَ الَّتِي اغتنَموها ليرفعوا قلوبَهم إِلَى اللَّهِ بالصلَاةِ فِي مَقْدِسِهِ المُعَيَّنِ لَهَا. وسَلَبْتُمُ الغُرباءَ أموالَهُم. وتغالَيْتُمْ فِي بَيْع موادِّ التَّقْدِمَةِ وصَرْفِ النُّقودِ.
وقدْ مَضَى السيدُ لهُ المجدُ طِيلةَ هَذَا النهارِ فِي الهَيْكلِ يَطرُدُ المُدنِّسينَ لهُ حتَّى أَنَّهُ: " لَمْ يَدَعْ أحدًا يجتازُ الهَيْكلَ بِمَتَاعٍ " (11). وشَغَلَهُ بالتعليمِ وعَمَلِ المُعجِزاتِ. وَكَانَ رؤساءُ الكهنةِ وحُرَّاسُ الهَيْكلِ فِي ذَلِكَ الوقتِ ينظرونَ إِلَيْهِ بالغَيْظِ ويتآمرونَ عَلَى قَتْلِهِ غَيْرَ قادرينَ أَنْ يُتَمِّموا مَا تُكِنُّهُ صُدُورُهُم لهُ مِنَ الشَّرِّ.
-------------------
(1) (يو 11 :18(
(2) (لو 21 : 37، 38)
(3) (متي 21 : 18، 19) و(مر 11 : 12 – 20)
(4) (مت 23 : 27، 28)
(5) (2تي 3 : 5)
(6) (مت 3 : 10)
(7) (يه 1 : 12، 13)
(8) (مر 11 : 15، 16)
(9) (مر 11:11 – 14)
(10) (ار 7: 8- 11)
(11) (مر 11: 16)