قصة سوسنة ابنة حلقيا
+قصة سوسنة ابنة حلقيا
رؤيا دانيال النبي بخصوص سوسنَّة (دانيال 13: 1 ــ 64)
كَانَ فِي بابلَ رَجُلٌ اسْمُهُ يُواقيمُ وتزوَّجَ بامرأةٍ اسْمُها سُوسنَّةُ ابنةُ حلْقِيَّا، جَميلةٍ جدًّا ومُتَّقيَةٍ للرَّبِّ. وَكَانَ أبواها صِدِّيقَيْنِ فأدَّبا ابنَتَهُمَا عَلَى حَسَبِ شَريعةِ موسَى. وَكَانَ يُواقيمُ زوجُها غَنِيًّا جدًّا، وَكَانتْ لَهُ حَديقَةٌ تَلِي دَارَهُ. وَكَانَ اليَهُودُ يَجْتَمِعونَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ أوْجَهَهُمْ جَميعًا.
وَكَانَ قَدْ أُقِيمَ شَيْخَانِ مِنَ الشَّعْبِ للقَضَاءِ فِي تِلكَ السَّنةِ، وهُمَا مِنَ الَّذِينَ قالَ السيِّدُ عَنْهُمْ: إِنَّ الإِثْمَ قَدْ صَدَرَ مِنْ بَابلَ مِنْ شُيُوخٍ قُضَاةٍ كَانَ يُظَنُّ أَنَّهُمْ مُدَبِّرو الشَّعْبِ. وَكَانَ هذانِ يَجتمعانِ فِي دارِ يواقيمَ مَعَ كلِّ ذي دَعْوَى.
وكانتْ سُوسَنَّةُ مَتَى انصَرَفَ الشَّعْبُ عِنْدَ الظُّهْرِ تَدْخُلُ وتَتَمَشَّى فِي حَديقَةِ رَجُلِها، فَكَانَ الشَّيْخانِ يَنظُرَانِهَا كُلَّ يَوْمٍ تَدْخُلُ وتَتَمَشَّى فِي البُستانِ، فكَلِفَا بِهَوَاهَا، وأَسْلَمَا عقليهِما للفَسَادِ، وأَغمَضا عَينَيْهِمَا لِئَلَّا يَنظُرَا إِلَى السَّماءِ، وَلِئَلَّا يتذكَّرا الأَحْكَامَ العَادِلَةَ. وكانَا كِلَاهُمَا شغوفَيْنِ بِهَا ولَمْ يُكاشِفْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ بِوَجْدِهِ؛ لِأَنَّهُمَا كانا يخجَلانِ أَنْ يُخبِرا بشهوتِهِما؛ لِأَنَّهُمَا كانا يُريدانِ أَنْ يُضاجِعاها هُما الاثنانِ. وكانا كُلَّ يَوْمٍ يَجِدَّانِ فِي التَّرقُّبِ بتشوّقٍ لكَيْ يَنْظُرَاها. وَإِنَّ أحَدَهُما قالَ للآخرِ: "لننصرفْ إِلَى بُيُوتِنا فَإِنَّهَا سَاعةُ الغَداءِ"، فخَرَجَا وتَفارَقا. ثُمَّ انْقَلَبَا والتقيا اثناهُما، فسَألَ بعضُهُما بعْضًا عَنْ سَببِ رُجُوعِهِ فاعتَرَفا بِهَوَاهُما، حينئذٍ اتَّفقا مَعًا عَلَى وقتٍ يُمكِنُهُما فِيهِ أَنْ يَخْلُوَا بِها وحدَها.
وَكَانَ فِي بعضِ الأيَّامِ بينما هُمَا مُترَقِّبانِ اليَوْمَ الْمُوافِقَ، أَنَّهَا دَخَلَتْ مِثلَ أمسِ وما قَبْلَ أمسِ تَتَمَشَّى داخلَ البُستانِ ومعها جاريَتانِ فقطْ، وأرادَتْ أَنْ تَغتَسِلَ فِي الحديقةِ لِأَنَّهُ كَانَ حَرٌّ، ولَمْ يكُنْ هُناكَ أحَدٌ إِلَّا الشَّيْخانِ وهُمَا مُختَبِئانِ يَتأمّلانِها. فقالتْ للجاريَتيْنِ: "ائْتِيَاني بدُهْنٍ وأَغلِقَا أبوابَ الْحَديقةِ لأَغْتَسِلَ". فَفَعَلَتا كَمَا أَمَرَتْهُما، وأَغْلَقَتا أبوابَ الْحَديقةِ وخَرَجَتا مِنْ أبوابِ السِّرِّ لتأْتِيَا بِمَا أَمَرَتْهُما بهِ. ولَمْ تَعْلَما أَنَّ الشَّيْخيْنِ مُخْتَبئَانِ هُناكَ.
فلمَّا خَرَجَتِ الجَاريَتَانِ، قامَ الشَّيْخَانِ وهَجَمَا عَلَيْهَا وقالا لَهَا: "هَا هُوَذَا أبوابُ الْحَديقةِ مُغْلَقَةٌ ولاَ يَرَانا أحَدٌ. ونَحنُ شَغُوفَانِ بِهَوَاكِ فوافِقِينا وكوني مَعَنا. وَإِلَّا فنَشْهَدُ علَيْكِ أَنَّهُ كَانَ مَعَكِ شابٌّ ولذَلِكَ صَرَفْتِ الجارِيَتَيْنِ عَنْكِ". فتنهّدَتْ سُوسَنَّةُ وقَالتْ: "لقَدْ ضَاقَ بيَ الأَمْرُ مِنْ كُلِّ جهةٍ. فَإِنِّي إِنْ فَعَلْتُ هَذَا فَهُوَ لِي مَوْتٌ. وَإِنْ لَمْ أفْعَلْ فلَا أَنْجُو مِنْ أَيدِيكُمَا. ولكِنْ خَيْرٌ لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ ثُمَّ أَقَعَ فِي أَيدِيكُمَا مِنْ أَنْ أُخطئَ أمامَ إلهِ السَّماءِ". وصَرَختْ سُوسنَّةُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، فَصَرَخَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهَا، وأَسْرَعَ أَحَدُهُما وفَتَحَ أبوابَ الْحَديقةِ، فلمَّا سَمِعَ أهْلُ البَيْتِ الصُّرَاخَ فِي الْحَديقةِ وَثَبُوا إِلَيْهَا للوقتِ ليرَوْا مَا وَقَعَ لَهَا. ولَمَّا تكلَّمَ الشَّيْخَانِ بكلامِهِمَا خَجَلَ العَبيدُ جِدًّا لِأَنَّهُ لَمْ يُقَلْ قَطُّ مِثلُ هَذَا القَوْلِ عَلَى سُوسَنَّةَ.
وَفِي الغَدِ لَمَّا اجتَمَعَ الشَّعبُ إِلَى رَجُلِها يُواقيمَ، أَتَى الشَّيْخَانِ مُضْمِريْنِ نِيّةً أَثيمَةً عَلَى سُوسَنَّةَ ليُهلِكاها، وقالا أمامَ الشَّعْبِ: "أَرْسِلُوا إِلَى سُوسَنَّةَ بنتِ حِلْقِيَّا الَّتِي هِيَ امرأةُ يُواقيمَ". فأَرْسَلُوا.
وأتتْ سُوسَنَّة هِيَ ووالِدَاها وبَنُوهَا وجَميعُ ذَوي قَرابَتِهَا، وكانتْ سُوسَنَّةُ جَميلةَ الْمَنظرِ وحَسنةً جدًّا. فأَمَرَ هَذانِ الفَاجِرانِ أَنْ يُكشَفَ رأَسُها؛ لِأَنَّ رأَسَها كَانَ مُغَطَّى ليَشْبَعا مِنْ جَمالِها. وَكَانَ أَهلُها وجَميعُ الَّذِينَ يَنظرونَها يَبكونَ. فقامَ الشَّيْخَانِ فِي وَسَطِ الشَّعْبِ ووَضَعا أَيدِيَهُما عَلَى رأْسِها، فرَفَعَتْ طَرْفَها إِلَى السَّماءِ وَهِيَ باكيَةٌ لِأَنَّ قلبَهَا كَانَ مُتوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ.
فقالَ الشَّيْخَانِ: "إِنَّنَا كُنَّا نتَمَشَّى فِي الْحَديقةِ وحْدَنا فإذا بِهَذِهِ قَدْ دَخَلَتْ ومَعَهَا جَاريَتانِ، ثُمَّ صَرَفتِ الْجَاريَتَيْنِ وأَغلَقتْ أبوابَ الْحَديقةِ، فأتَاهَا شَابٌّ كَانَ مُخْتَبِئًا فِي الْحَديقةِ ووقَعَ عَلَيْهَا. وكُنَّا نَحنُ مُختبئَيْنِ فِي زاويَةٍ مِنَ الْحَديقةِ، فلمَّا رَأَيْنا الإثْمَ أَسرَعْنا إِليْهِمَا ورأيْنَاهُمَا مُتعانِقَيْنِ. أمَّا ذاكَ فلَمْ نَسْتَطِعْ أَنْ نُمسِكَهُ لِأَنَّهُ كَانَ أَقوَى مِنَّا، فَفَتَحَ الأبْوَابَ وفَرَّ، وَأَمَّا هَذِهِ فقَبَضْنا عَلَيْهَا وسأَلْنَاها عَنِ الشابِّ، فأبَتْ أَنْ تُخبِرَنَا. هَذَا مَا نَشهَدُ بهِ".
فصدَّقَهُما الْمَجْمَعُ لِأَنَّهُمَا شَيْخانِ وقاضِيانِ فِي الشَّعْبِ، وحكموا عَلَيْهَا بِالْمَوْتِ. فصَرَختْ سُوسَنَّةُ بصَوْتٍ عَظيمٍ وقالتْ: "أَيُّهَا الإلَهُ الأزليُّ العَارِفُ الخَفايا، العَالِمُ بكلِّ شيءٍ قَبْلَ أَنْ يكونَ. إِنَّكَ تَعْلَمُ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عليَّ بالزُّورِ، وهَا أَنَا أمُوتُ ولَمْ أصْنَعْ شيئًا مِمَّا افْتَرَى عليَّ بهِ هذانِ".
فاستجابَ الرَّبُّ لِصَوْتِها. وإذْ كَانتْ تُسَاقُ إِلَى الْمَوْتِ، نبَّهَ اللَّهُ رُوحًا مُقدَّسًا لشابٍّ حَدَثٍ اسْمُهُ دانيَالَ. فصرخَ بصَوْتٍ عَظيمٍ: "أَنَا بريءٌ مِنْ دَمِ هَذِهِ المرأةِ". فالتَفَتَ إِلَيْهِ الشَّعْبُ كُلُّهُ، وقالوا: "مَا هَذَا الكَلاَمُ الَّذِي قُلْتَهُ". فوقَفَ فِي وَسَطِهمْ وقالَ: "أهَكَذَا أَنْتُمْ أغبياءُ يا بني إسْرائِيلَ، مَا فَحَصْتُمْ ومَا عَرَفتُمُ الحقَّ، وقَضَيْتُم عَلَى بنتِ إسرائيلَ. لكن ارجِعُوا إِلَى القَضاءِ فَإِنَّ هَذَيْنِ إِنَّمَا شَهِدَا عَلَيْهَا بالزُّورِ". فأَسْرَعَ الشَّعْبُ كُلُّهُ ورَجَعَ. فقالَ لَهُ الشَّيْخَانِ: "هَلُمَّ اجْلِسْ بَيْنَنا وأَفِدْنَا فَقَدْ أتاكَ اللَّهُ المَشْيَخَةَ".
فقالَ لَهُمْ دانيالُ: "أفرِقُوهما بَعْضَهُمَا عَنْ بعضٍ بعيدًا، فأحْكُمَ عَلَيْهِما". فلمَّا افترقَ الواحِدُ عَنِ الآخَرِ. دَعا أَحَدَهُمَا وقالَ لَهُ: "يَا أَيُّهَا المُتَعَتِّقُ الأيامِ الشِّرِّيرةِ لَقَدْ أتَتْ عَلَيْكَ خَطاياكَ الَّتِي ارتَكَبْتَها، تقضي قضاءَ ظُلْمٍ، وتَحكُمُ علَى الأبرياءِ، وتُطلِقُ المُجرِمينَ، وقَدْ قالَ الرَّبُّ: إِنَّ البريءَ والزَّكِيَّ لا تَقتُلْهُمَا. فالآنَ إِنْ كُنْتَ قَدْ رأيتَهُمَا، فَقُلْ تَحتَ أيَّةِ شَجَرةٍ رأيتَهما يتَحدَّثانِ؟". فقالَ: "تَحْتَ الضِّرْوَةِ". فقالَ دَانيالُ: "لقَدْ صَوَّبْتَ كَذِبَكَ عَلَى رأسِكَ، فهَا هُوَذَا مَلاكُ اللَّهِ قد أُمِرَ مِنْ لَدُنِ اللَّهِ بِأَنْ يَشُقَّكَ شَطْرَيْنِ".
ثُمَّ عَزَلَهُ وأَمَرَ بإقْبَالِ الآخرِ، فقالَ لَهُ: "يا نَسْلَ كَنْعَانَ وليسَ يَهُوذا، لقَدْ فَتَنَكَ الجَمَالُ وأَسْلَمَ الهَوَى قَلْبَكَ إِلَى الفَسَادِ، هَكَذَا كُنْتُما تَصْنَعَانِ مَعَ بَنَاتِ إسرائيلَ، وكُنَّ يَخَفْنَ أَنْ يُحدِّثْنَكُما، أمَّا بِنْتُ يَهوذا فَلَمْ تَحْتَمِلْ فُجُورَكُمَا. والآنَ قُلْ لِي تَحتَ أيَّةِ شَجَرةٍ صَادَفْتَهُمَا يَتَحدَّثانِ؟" فقالَ: "تَحتَ السِّنْدِيَانَةِ". فقالَ لَهُ دانيالُ: "وَأَنْتَ أَيْضًا قَدْ صَوَّبْتَ كَذِبَكَ عَلَى رأْسِكَ، فمَلَاكُ اللَّهِ واقِفٌ وبيَدِهِ سَيْفٌ ليَقْطَعَكَ شَطْرَيْنِ وليُبيدَكُما أَنْتُمَا الاثنيْنِ".
فصَرَخَ الْمَجْمَعُ كلُّهُ بصَوْتٍ عَظيمِ وبَارَكوا اللَّهَ مُخَلِّصَ الَّذِينَ يَرْجُونَهُ وقاموا عَلَى الشَّيْخَيْنِ، وقَدْ أثبَتَ دانيالُ مِنْ نُطقِهِما أَنَّهُمَا شَهِدَا بالزُّورِ، وصَنَعُوا بِهِمَا كَمَا نَوَيَا أَنْ يَصْنَعا بالقَرِيبِ، عَمَلًا بِما فِي شريعةِ موسَى. فَقَتَلُوهُمَا. وخُلِّصَ الدَّمُ الزَّكيُّ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ.
فسبَّحَ حلْقِيَّا وامرأَتُهُ الرَّبَّ لأَجْلِ ابْنَتِهِمَا مَعَ يُواقيمَ رَجُلِهَا وذَوِي قَرَابَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوْجَدْ فِي سُوسَنَّةَ شيءٌ قَبيحٌ. وعَظُمَ دانيَالُ عِندَ الشَّعْبِ مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ فَمَا بَعْدُ.
( مَجْدًا لِلْثَّالُوثِ القُدُّوسِ إِلَهِنَا، إِلَى الأَبَدِ وإِلَى أَبَدِ الآبَادِ كُلِّهَا. آمِينْ. )
رؤيا دانيال النبي بخصوص سوسنَّة (دانيال 13: 1 ــ 64)
كَانَ فِي بابلَ رَجُلٌ اسْمُهُ يُواقيمُ وتزوَّجَ بامرأةٍ اسْمُها سُوسنَّةُ ابنةُ حلْقِيَّا، جَميلةٍ جدًّا ومُتَّقيَةٍ للرَّبِّ. وَكَانَ أبواها صِدِّيقَيْنِ فأدَّبا ابنَتَهُمَا عَلَى حَسَبِ شَريعةِ موسَى. وَكَانَ يُواقيمُ زوجُها غَنِيًّا جدًّا، وَكَانتْ لَهُ حَديقَةٌ تَلِي دَارَهُ. وَكَانَ اليَهُودُ يَجْتَمِعونَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ أوْجَهَهُمْ جَميعًا.
وَكَانَ قَدْ أُقِيمَ شَيْخَانِ مِنَ الشَّعْبِ للقَضَاءِ فِي تِلكَ السَّنةِ، وهُمَا مِنَ الَّذِينَ قالَ السيِّدُ عَنْهُمْ: إِنَّ الإِثْمَ قَدْ صَدَرَ مِنْ بَابلَ مِنْ شُيُوخٍ قُضَاةٍ كَانَ يُظَنُّ أَنَّهُمْ مُدَبِّرو الشَّعْبِ. وَكَانَ هذانِ يَجتمعانِ فِي دارِ يواقيمَ مَعَ كلِّ ذي دَعْوَى.
وكانتْ سُوسَنَّةُ مَتَى انصَرَفَ الشَّعْبُ عِنْدَ الظُّهْرِ تَدْخُلُ وتَتَمَشَّى فِي حَديقَةِ رَجُلِها، فَكَانَ الشَّيْخانِ يَنظُرَانِهَا كُلَّ يَوْمٍ تَدْخُلُ وتَتَمَشَّى فِي البُستانِ، فكَلِفَا بِهَوَاهَا، وأَسْلَمَا عقليهِما للفَسَادِ، وأَغمَضا عَينَيْهِمَا لِئَلَّا يَنظُرَا إِلَى السَّماءِ، وَلِئَلَّا يتذكَّرا الأَحْكَامَ العَادِلَةَ. وكانَا كِلَاهُمَا شغوفَيْنِ بِهَا ولَمْ يُكاشِفْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ بِوَجْدِهِ؛ لِأَنَّهُمَا كانا يخجَلانِ أَنْ يُخبِرا بشهوتِهِما؛ لِأَنَّهُمَا كانا يُريدانِ أَنْ يُضاجِعاها هُما الاثنانِ. وكانا كُلَّ يَوْمٍ يَجِدَّانِ فِي التَّرقُّبِ بتشوّقٍ لكَيْ يَنْظُرَاها. وَإِنَّ أحَدَهُما قالَ للآخرِ: "لننصرفْ إِلَى بُيُوتِنا فَإِنَّهَا سَاعةُ الغَداءِ"، فخَرَجَا وتَفارَقا. ثُمَّ انْقَلَبَا والتقيا اثناهُما، فسَألَ بعضُهُما بعْضًا عَنْ سَببِ رُجُوعِهِ فاعتَرَفا بِهَوَاهُما، حينئذٍ اتَّفقا مَعًا عَلَى وقتٍ يُمكِنُهُما فِيهِ أَنْ يَخْلُوَا بِها وحدَها.
وَكَانَ فِي بعضِ الأيَّامِ بينما هُمَا مُترَقِّبانِ اليَوْمَ الْمُوافِقَ، أَنَّهَا دَخَلَتْ مِثلَ أمسِ وما قَبْلَ أمسِ تَتَمَشَّى داخلَ البُستانِ ومعها جاريَتانِ فقطْ، وأرادَتْ أَنْ تَغتَسِلَ فِي الحديقةِ لِأَنَّهُ كَانَ حَرٌّ، ولَمْ يكُنْ هُناكَ أحَدٌ إِلَّا الشَّيْخانِ وهُمَا مُختَبِئانِ يَتأمّلانِها. فقالتْ للجاريَتيْنِ: "ائْتِيَاني بدُهْنٍ وأَغلِقَا أبوابَ الْحَديقةِ لأَغْتَسِلَ". فَفَعَلَتا كَمَا أَمَرَتْهُما، وأَغْلَقَتا أبوابَ الْحَديقةِ وخَرَجَتا مِنْ أبوابِ السِّرِّ لتأْتِيَا بِمَا أَمَرَتْهُما بهِ. ولَمْ تَعْلَما أَنَّ الشَّيْخيْنِ مُخْتَبئَانِ هُناكَ.
فلمَّا خَرَجَتِ الجَاريَتَانِ، قامَ الشَّيْخَانِ وهَجَمَا عَلَيْهَا وقالا لَهَا: "هَا هُوَذَا أبوابُ الْحَديقةِ مُغْلَقَةٌ ولاَ يَرَانا أحَدٌ. ونَحنُ شَغُوفَانِ بِهَوَاكِ فوافِقِينا وكوني مَعَنا. وَإِلَّا فنَشْهَدُ علَيْكِ أَنَّهُ كَانَ مَعَكِ شابٌّ ولذَلِكَ صَرَفْتِ الجارِيَتَيْنِ عَنْكِ". فتنهّدَتْ سُوسَنَّةُ وقَالتْ: "لقَدْ ضَاقَ بيَ الأَمْرُ مِنْ كُلِّ جهةٍ. فَإِنِّي إِنْ فَعَلْتُ هَذَا فَهُوَ لِي مَوْتٌ. وَإِنْ لَمْ أفْعَلْ فلَا أَنْجُو مِنْ أَيدِيكُمَا. ولكِنْ خَيْرٌ لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ ثُمَّ أَقَعَ فِي أَيدِيكُمَا مِنْ أَنْ أُخطئَ أمامَ إلهِ السَّماءِ". وصَرَختْ سُوسنَّةُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، فَصَرَخَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهَا، وأَسْرَعَ أَحَدُهُما وفَتَحَ أبوابَ الْحَديقةِ، فلمَّا سَمِعَ أهْلُ البَيْتِ الصُّرَاخَ فِي الْحَديقةِ وَثَبُوا إِلَيْهَا للوقتِ ليرَوْا مَا وَقَعَ لَهَا. ولَمَّا تكلَّمَ الشَّيْخَانِ بكلامِهِمَا خَجَلَ العَبيدُ جِدًّا لِأَنَّهُ لَمْ يُقَلْ قَطُّ مِثلُ هَذَا القَوْلِ عَلَى سُوسَنَّةَ.
وَفِي الغَدِ لَمَّا اجتَمَعَ الشَّعبُ إِلَى رَجُلِها يُواقيمَ، أَتَى الشَّيْخَانِ مُضْمِريْنِ نِيّةً أَثيمَةً عَلَى سُوسَنَّةَ ليُهلِكاها، وقالا أمامَ الشَّعْبِ: "أَرْسِلُوا إِلَى سُوسَنَّةَ بنتِ حِلْقِيَّا الَّتِي هِيَ امرأةُ يُواقيمَ". فأَرْسَلُوا.
وأتتْ سُوسَنَّة هِيَ ووالِدَاها وبَنُوهَا وجَميعُ ذَوي قَرابَتِهَا، وكانتْ سُوسَنَّةُ جَميلةَ الْمَنظرِ وحَسنةً جدًّا. فأَمَرَ هَذانِ الفَاجِرانِ أَنْ يُكشَفَ رأَسُها؛ لِأَنَّ رأَسَها كَانَ مُغَطَّى ليَشْبَعا مِنْ جَمالِها. وَكَانَ أَهلُها وجَميعُ الَّذِينَ يَنظرونَها يَبكونَ. فقامَ الشَّيْخَانِ فِي وَسَطِ الشَّعْبِ ووَضَعا أَيدِيَهُما عَلَى رأْسِها، فرَفَعَتْ طَرْفَها إِلَى السَّماءِ وَهِيَ باكيَةٌ لِأَنَّ قلبَهَا كَانَ مُتوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ.
فقالَ الشَّيْخَانِ: "إِنَّنَا كُنَّا نتَمَشَّى فِي الْحَديقةِ وحْدَنا فإذا بِهَذِهِ قَدْ دَخَلَتْ ومَعَهَا جَاريَتانِ، ثُمَّ صَرَفتِ الْجَاريَتَيْنِ وأَغلَقتْ أبوابَ الْحَديقةِ، فأتَاهَا شَابٌّ كَانَ مُخْتَبِئًا فِي الْحَديقةِ ووقَعَ عَلَيْهَا. وكُنَّا نَحنُ مُختبئَيْنِ فِي زاويَةٍ مِنَ الْحَديقةِ، فلمَّا رَأَيْنا الإثْمَ أَسرَعْنا إِليْهِمَا ورأيْنَاهُمَا مُتعانِقَيْنِ. أمَّا ذاكَ فلَمْ نَسْتَطِعْ أَنْ نُمسِكَهُ لِأَنَّهُ كَانَ أَقوَى مِنَّا، فَفَتَحَ الأبْوَابَ وفَرَّ، وَأَمَّا هَذِهِ فقَبَضْنا عَلَيْهَا وسأَلْنَاها عَنِ الشابِّ، فأبَتْ أَنْ تُخبِرَنَا. هَذَا مَا نَشهَدُ بهِ".
فصدَّقَهُما الْمَجْمَعُ لِأَنَّهُمَا شَيْخانِ وقاضِيانِ فِي الشَّعْبِ، وحكموا عَلَيْهَا بِالْمَوْتِ. فصَرَختْ سُوسَنَّةُ بصَوْتٍ عَظيمٍ وقالتْ: "أَيُّهَا الإلَهُ الأزليُّ العَارِفُ الخَفايا، العَالِمُ بكلِّ شيءٍ قَبْلَ أَنْ يكونَ. إِنَّكَ تَعْلَمُ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عليَّ بالزُّورِ، وهَا أَنَا أمُوتُ ولَمْ أصْنَعْ شيئًا مِمَّا افْتَرَى عليَّ بهِ هذانِ".
فاستجابَ الرَّبُّ لِصَوْتِها. وإذْ كَانتْ تُسَاقُ إِلَى الْمَوْتِ، نبَّهَ اللَّهُ رُوحًا مُقدَّسًا لشابٍّ حَدَثٍ اسْمُهُ دانيَالَ. فصرخَ بصَوْتٍ عَظيمٍ: "أَنَا بريءٌ مِنْ دَمِ هَذِهِ المرأةِ". فالتَفَتَ إِلَيْهِ الشَّعْبُ كُلُّهُ، وقالوا: "مَا هَذَا الكَلاَمُ الَّذِي قُلْتَهُ". فوقَفَ فِي وَسَطِهمْ وقالَ: "أهَكَذَا أَنْتُمْ أغبياءُ يا بني إسْرائِيلَ، مَا فَحَصْتُمْ ومَا عَرَفتُمُ الحقَّ، وقَضَيْتُم عَلَى بنتِ إسرائيلَ. لكن ارجِعُوا إِلَى القَضاءِ فَإِنَّ هَذَيْنِ إِنَّمَا شَهِدَا عَلَيْهَا بالزُّورِ". فأَسْرَعَ الشَّعْبُ كُلُّهُ ورَجَعَ. فقالَ لَهُ الشَّيْخَانِ: "هَلُمَّ اجْلِسْ بَيْنَنا وأَفِدْنَا فَقَدْ أتاكَ اللَّهُ المَشْيَخَةَ".
فقالَ لَهُمْ دانيالُ: "أفرِقُوهما بَعْضَهُمَا عَنْ بعضٍ بعيدًا، فأحْكُمَ عَلَيْهِما". فلمَّا افترقَ الواحِدُ عَنِ الآخَرِ. دَعا أَحَدَهُمَا وقالَ لَهُ: "يَا أَيُّهَا المُتَعَتِّقُ الأيامِ الشِّرِّيرةِ لَقَدْ أتَتْ عَلَيْكَ خَطاياكَ الَّتِي ارتَكَبْتَها، تقضي قضاءَ ظُلْمٍ، وتَحكُمُ علَى الأبرياءِ، وتُطلِقُ المُجرِمينَ، وقَدْ قالَ الرَّبُّ: إِنَّ البريءَ والزَّكِيَّ لا تَقتُلْهُمَا. فالآنَ إِنْ كُنْتَ قَدْ رأيتَهُمَا، فَقُلْ تَحتَ أيَّةِ شَجَرةٍ رأيتَهما يتَحدَّثانِ؟". فقالَ: "تَحْتَ الضِّرْوَةِ". فقالَ دَانيالُ: "لقَدْ صَوَّبْتَ كَذِبَكَ عَلَى رأسِكَ، فهَا هُوَذَا مَلاكُ اللَّهِ قد أُمِرَ مِنْ لَدُنِ اللَّهِ بِأَنْ يَشُقَّكَ شَطْرَيْنِ".
ثُمَّ عَزَلَهُ وأَمَرَ بإقْبَالِ الآخرِ، فقالَ لَهُ: "يا نَسْلَ كَنْعَانَ وليسَ يَهُوذا، لقَدْ فَتَنَكَ الجَمَالُ وأَسْلَمَ الهَوَى قَلْبَكَ إِلَى الفَسَادِ، هَكَذَا كُنْتُما تَصْنَعَانِ مَعَ بَنَاتِ إسرائيلَ، وكُنَّ يَخَفْنَ أَنْ يُحدِّثْنَكُما، أمَّا بِنْتُ يَهوذا فَلَمْ تَحْتَمِلْ فُجُورَكُمَا. والآنَ قُلْ لِي تَحتَ أيَّةِ شَجَرةٍ صَادَفْتَهُمَا يَتَحدَّثانِ؟" فقالَ: "تَحتَ السِّنْدِيَانَةِ". فقالَ لَهُ دانيالُ: "وَأَنْتَ أَيْضًا قَدْ صَوَّبْتَ كَذِبَكَ عَلَى رأْسِكَ، فمَلَاكُ اللَّهِ واقِفٌ وبيَدِهِ سَيْفٌ ليَقْطَعَكَ شَطْرَيْنِ وليُبيدَكُما أَنْتُمَا الاثنيْنِ".
فصَرَخَ الْمَجْمَعُ كلُّهُ بصَوْتٍ عَظيمِ وبَارَكوا اللَّهَ مُخَلِّصَ الَّذِينَ يَرْجُونَهُ وقاموا عَلَى الشَّيْخَيْنِ، وقَدْ أثبَتَ دانيالُ مِنْ نُطقِهِما أَنَّهُمَا شَهِدَا بالزُّورِ، وصَنَعُوا بِهِمَا كَمَا نَوَيَا أَنْ يَصْنَعا بالقَرِيبِ، عَمَلًا بِما فِي شريعةِ موسَى. فَقَتَلُوهُمَا. وخُلِّصَ الدَّمُ الزَّكيُّ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ.
فسبَّحَ حلْقِيَّا وامرأَتُهُ الرَّبَّ لأَجْلِ ابْنَتِهِمَا مَعَ يُواقيمَ رَجُلِهَا وذَوِي قَرَابَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوْجَدْ فِي سُوسَنَّةَ شيءٌ قَبيحٌ. وعَظُمَ دانيَالُ عِندَ الشَّعْبِ مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ فَمَا بَعْدُ.
( مَجْدًا لِلْثَّالُوثِ القُدُّوسِ إِلَهِنَا، إِلَى الأَبَدِ وإِلَى أَبَدِ الآبَادِ كُلِّهَا. آمِينْ. )