بيان يوم الثلاثاء
+ بيان يوم الثلاثاء
لَمَّا رَجَعَ السيدُ المسيحُ لهُ المجدُ مِنْ بَيْتِ عَنيا فِي صباحِ يَوْمِ الثُلاثاءِ إِلَى المدينةِ، ورأَى التلاميذُ أَنَّ التِّينَةَ الَّتِي لَعَنَها قد يَبِسَتْ، تَعَجَّبوا (1). فكلَّمَهُم عَنِ الإيمانِ (2). وحينما دَخَلَ ربُّنا يسوعُ الهَيْكَلَ سألَهُ الفَرِّيسيُّونَ بمَكْرٍ: بأيِّ سُلطانٍ تَفعَلُ هَذَا ومَنْ أعطاكَ هَذَا السُّلطانَ؟ فأجابَهم عَلَى سُؤالِهِمْ قائلًا لَهْمْ عَنْ معموديةِ يوحنا (3)، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَ الابْنَيْنِ (4) ، ومَثَلَ الكرَّامِينَ الأشرارِ (5) ومَثَلَ عُرْسِ ابنِ المَلِكِ (6)، وبعدئِذٍ سَأَلهُ الفَريسيّونَ عَنْ جَوَازِ إعطاءِ الجِزيةِ لقَيْصَرَ (7)، والصَّدوقيُّونَ عَنِ القيامةِ، والناموسيُّ عَنِ الوصيةِ العُظْمَى (8)، ثُمَّ سَأَلَ الفَريسيّينَ عَنِ اعتقادِهِمْ فِيهِ وأَظْهَرَ لَهُمْ رِياءَهُم (9). ثُمَّ حَذَّرَ الجموعَ وتلاميذَه من خُبْثِ الكتبةِ والفريسيَينَ (10). ثُمَّ أَعطَى الوَيْلَ للكتبةِ والفريسيّينَ ورَثَى أورُشليمَ (11)، ثُمَّ مَدَحَ الأرمَلةَ المِسكِينةَ الَّتِي أَلقتْ فِي الخِزانةِ الفَلْسَيْنِ وَكَانا كُلَّ مَا تَمتلِكُ (12)، ثُمَّ طَلَبَ أُناسٌ يُونانِيونَ أَنْ يَرَوْهُ، ثُمَّ تَكلَّمَ قليلًا معَ الجَمْعِ وتَرَكَ الهَيْكَلَ، وَفِيمَا هُوَ خارِجٌ مِنْهُ أشَارَ تلاميذُهُ إِلَى فخامةِ وعظمةِ أبنيةِ الهَيْكَلِ، فأَنبأَهُمْ بخرابِهِ واضطهادِ اليهودِ لَهُم إذْ رَثَى أورُشليمَ لأجْلِ خَرَابِها (13)، ولما صَعِدَ إِلَى جَبَلِ الزَّيتُونِ جَلَسَ هُناكَ وابتَدأَ يَشرَحَ لبطرسَ ويعقُوبَ ويوحنا وأندراوسَ ترتيبَ الحوادثِ وعلاماتِ مجيئهِ، وخَرابَ أورُشليمَ، ونِهايةَ الأُمةِ اليهودِيَّةِ وزوالَ نِظامِها (14)، ومجيئَهُ الأَخيرَ فِي يَوْمِ الدينونةِ والحثَّ عَلَى السَّهَرِ (15)، ومَثَلَ العَشرَ العَذَارَى ومَثَلَ الوزناتِ. وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى جَبَلِ الزَّيتونِ (16). ولما أَكْمَلَ ربُّنا يسوعُ هَذِهِ الأقوالَ كُلَّها، قال لتلاميذِهِ: " أَنَّهُ بَعْدَ يَوْميْنِ يَكُونُ الفِصْحُ وابنُ الإنسانِ يُسلَّمُ لِيُصْلَبَ" (17)، ثُمَّ مَضَى إِلَى بَيْتِ عَنيا لِيَسْتَريحَ فِيهِ، وَفِي هَذَا المساءِ تَشاورَ رؤساءُ اليهودِ عَلَى قَتْلِهِ (18)، ويَحسُنُ بِنا أَنْ نَضَعَ هُنا عُجالةً تاريخيةً عَنْ بِناءِ الهَيْكَلِ وهَدْمِهِ، وَهَا هِيَ:
بَنَى "سُلَيْمانُ" الهَيْكَلَ الأوَّلَ سنة 1005 قَبْلَ الميلادِ فِي اليَوْمِ الثاني مِنَ الشهر الثاني مِنَ السنةِ الرابعةِ لمُلْكِهِ فِي أورُشليمَ، فِي جَبَلِ المُرَيَّا حيثُ تَراءَى الربُّ لداودَ أبيهِ. وهناكَ هيَّأَ مَكانًا فِي بَيْدَرِ "أُرنَانَ اليَبُوسِيِّ" (19)، فأقامَ جُدرانًا عاليةً مِنْ بطنِ وادي يهوشافاطَ إِلَى قِمّةِ الجبَلِ وملأَ الفراغَ الكائنَ بَيْنَ القبةِ والجُدرانِ بالتُّرابِ والحجارةِ. وقال يُوسِيفُوسُ المؤَرِّخُ: إِنَّهُ كَانَ طُولُ بعضِ تِلكَ الحِجَارةِ خَمسًا وأربَعينَ ذراعًا وعرضُهُ سِتًّا وسُمكُهُ خَمْسًا، وإنَّهُ كَانَ أَكبرُ الحجارةِ فِي الجانبِ الشرقيِّ. وزَيَّنَ سُلَيْمانُ كلَّ مَا بَنَاهُ بالهَيْكَلِ مِنْ غُرَفٍ ودُورٍ وأَرْوِقَةٍ وأَعْمِدةٍ وأبوابٍ، وكانتْ مُغَشَّاةً بالفِضَّةِ والذهبِ. وبالإجْمالِ فَإِنَّه قد رَصَّعَ البَيْتَ بحِجارةٍ كريمةٍ بَهيَّةِ الجَمالِ (20)، وشُغِلَ بِبِنائِهِ مُدّةَ سَبْعَ سِنينَ ونِصْفٍ واستخدمَ فِي عمليةِ بِنائِهِ 183300 شَخْصًا (21). وكانتِ الموادُ تُشَغَّلُ عَلَى بُعْدٍ مِنْ مكانِ البناءِ. "فلَمْ يُسْمَعْ فِي البَيْتِ عِنْدَ بِنَائِهِ مِنْحَتٌ ولا مِعْوَلٌ ولا أدَاةٌ من حَدِيدٍ" (22)، وَكَانَ مَقْدمُ الهَيْكَلِ نحوَ الشّرْقِ، وخَلْفُهُ بِناءٌ يَقِلُّ عنهُ ارتفاعًا، وَكَانَ عَلَى جانبيْ هَذَا البِناءِ غُرَفٌ صغيرةٌ يُدخَلُ إِلَيْهَا مِنَ الخارجِ. وفَوْقَها غُرَفٌ مُغَشَّاةٌ بالذهبِ لَا يُسمَحُ لأحدٍ إِلَّا للمُلوكِ أَنْ يَصْعَدوا إِلَيْهَا (23). وبَقِيَ هَيْكَلُ سُليمانَ 424 سنةً إِلَى أَنْ هَدَمَهُ نبوخذناصّر سنة 584 قَبْلَ الميلادِ (24)، وبَنَى زَرُبَّابِلُ الهَيْكَلَ الثانيَ (25) مكانَ الأوّلِ بَعْدَ سبعينَ سنةً مِنْ هَدْمِهِ، فكَانَ دُونَ الهَيْكَلِ الأوّلِ فِي الزّينةِ والبهاءِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ تابوتُ العهدِ إذ فُقِدَ فِي السّبيِ، ولَمْ تَظْهَرْ فِيهِ سَحابةُ المجدِ. ولا كاروبا المجدِ، ولا الأوريمُ، ولا التُّمِّيمُ ولا رُوحُ النُّبوةِ، ومع ذَلِكَ فَإِنَّهُ قد فاقَ الأوّلَ مجدًا وكرامةً لدُخولِ السيدِ المسيحِ فِيهِ (26)، وكثيرًا مَا دنَّسَ هَذَا الهَيْكَلَ مُلوكُ الأممِ الَّذِينَ استَوْلَوْا عَلَى أورُشليمَ وخرَّبوا مِنهُ جانبًا. وأَخذَ هيرودِسُ الكَبيرُ يُرَمِّمُهُ ويُصلِحُهُ ليَستَمِيلَ إِلَيْهِ قُلُوبَ اليَهودِ. وابتَدأَ بعَمَلِ ذَلِكَ فِي السنةِ الثامنةَ عَشَرَ لِمُلْكِهِ، وَذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الميلادِ بعشرينَ سنةً، وشَغَّلَ فِي ترميمِهِ نَحْوَ عَشرةِ آلافٍ مِنْ مَهَرةِ البنائينَ، وظَلَّ خُلفاؤهُ يُصْلِحُونَهُ، حتى صَحَّ قَوْلُ اليَهودِ للسيدِ المسيح إِنَّهُ: " بُنِيَ فِي سِتٍّ وأَربعينَ سنةً " (27)، وَكَانتْ فَسَحَةُ الهَيْكَلِ مُرَبَّعَةً عَرْضُ كُلٍّ مِنْ جُدرَانِها أَربَعُمئةُ ذِراعٍ.
وَكَانَ فِي ذَلِكَ الهيكل أربع أدوار:
الأولى: دارُ الأُممِ، وَفِي الجانبِ الشرقِيِّ مِنْ هَذِهِ الدارِ بابُ الهَيْكَلِ الجميلِ (28)، ويُحِيطُ بها أَرْوِقَةٌ وَعَلَى جوانبِها غُرَفٌ لِسَكَنِ اللاويينَ. وَفِي أَحَدِ تِلْكَ الجوانبِ مَجْمَعٌ أو مَدرسَةٌ لِعُلَمَاءِ اليهودِ، وَفِي تلكَ المدرسةِ جَلَسَ ربُّنا يَسُوعُ وَهُوَ ابنُ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سنةً فِي وَسَطِ المُعَلِّمينَ، يَسْمَعُهُم ويَسألهُم (29). وَفِي تِلْكَ الأَرْوِقةِ خَاطَبَ ربنا يسوعُ الشَّعبَ. وَفِيهَا كَانَ يَجتمعُ التلاميذُ كلَّ يَوْمٍ بَعْدَ صُعودِهِ (30)، واشْتَهَرَ أَحَدُ هَذِهِ الأروقةِ أكثرَ مِنْ غَيْرِهِ بنِسْبَتِهِ إِلَى رواقِ سُلَيْمانَ (31)، وَكَانَ عُلو هَذَا الرواق سَبْعَمائة قَدَمٍ، وهُناكَ جَرَّبَ الشَّيْطانُ السيّدَ المسيحَ بأَنْ يَطْرَحَ نَفْسَهُ مِنْ سَطْحِهِ إِلَى أَسْفَلُ (32). وَكَانَ فِي تلكَ الدارِ موائدُ للصيارفةِ وباعةِ الحمامِ وأمثالِهِمْ. وَسُمِّيَتْ بدارِ الأُممِ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لغَيْرِ اليَهودِ أَنْ يُجَاوِزوهَا إِلَى الداخلِ. ولَمْ يَكُنْ فِي هَيْكَلِ سُلَيْمانَ دارٌ للأُممِ، فما كَانَ فِيهِ سِوَى دارٍ للكهنةِ والدارِ العظيمةِ (33).
الثانيةُ: دارُ النِّساءِ ونُسِبَتْ إِلَى النِّساءِ، لَا لِأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِهنَّ بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْمَحْ لَهُنَّ أَنْ يتعدَّيْنَها إِلَى دَاخِلٍ، فَكُنَّ يأتِيْنَ إِلَيْهَا ليُقدِّمْنَ القَرابينَ. وَهِيَ أعْلَى مِنَ الدارِ الأولى فكانوا يَصعَدونَ إِلَيْهَا بتِسْعِ درجاتٍ، وفَصَلوا بَيْنَ الداريْنِ بِجدارٍ مِنْ حَجَرٍ، وأقاموا قُرْبَ الدَّرَجاتِ عُمُدًا مِنَ الرُّخَامِ كَتَبوا عَلَيْهَا باليونانيةِ واللاتينيةِ إنذاراتٍ للأُمَمِ خُلاصتُها: أَنَّ مَنْ جاوزَها مِنْهُم إِلَى الداخلِ يُقْتَلُ (34)، واتُّهِمَ بولُسُ أَنَّهُ أَدْخَلَ يُونانيينَ إِلَى الهَيْكَلِ ودَنَّسَ ذَلِكَ المَوْضِعَ المقدَّسَ (25)، وَكَانَ اليهودُ يُمارسونَ العبادةَ العاديّةَ فِي تلكَ الدارِ (36) وَكَانَ فِي جوانبِها ثلاثةَ عَشرَ صُندوقًا يَضَعُ العابِدونَ قرابينَهُمْ فِيهَا (37).
الثالثةُ: دارُ إسرائيلَ أيْ دارُ ذُكورِ الإسرائيليينَ، وكانتِ الدارُ العظيمةُ فِي هَيْكَلِ سُليمانَ تَشتَمِلُ عَلَى هَذِهِ الأقسامِ الثلاثةِ (38)، وَهِيَ أَرْفَعُ مِنْ دارِ النِّساءِ وكانُوا يَصْعَدونَ إِلَيْهَا بِخَمْسِ عَشرةَ دَرَجةً، وفَصَلُوا بَيْنَهُما بِجِدارٍ، فِيهِ ثَلاثةُ أبوابٍ.
الرابعةُ: دارُ الكهنةِ شَرقيَّ دارِ إسرائيلَ وَفِيهَا مَذْبحُ المُحرَقةِ والمِرحَضةُ. وغَربيَّ هَذِهِ الدارِ الهَيْكَلُ الحقيقيُّ وَهُوَ أعلَى مِنْها، وكانوا يَصعَدونَ إِلَيْهِ باثنتيْ عَشَرةَ دَرَجَةً. وَكَانَ قُدَّامَهُ رواقٌ مُتَّجِهٌ إِلَى الشّرقِ عُلْوُ قِمَّتِهِ مائَةُ وتِسعُونَ قَدَمًا وَفِي مَدْخَلِهِ عمودانِ اسمُ أحدِهِما ياكينُ والثاني بُوعَزُ. وقُسِّمَ إِلَى قِسمَيْنِ: الأوّلُ القُدْسُ وَطُولُهُ سِتُّونَ قَدَمًا وعَرْضُهُ ثلاثونَ قَدَمًا وَفِيهِ المنارةُ الذهبيةُ ومائدةُ خُبزِ الوُجُوهِ ومذبحُ البَخورِ. والثاني قُدسُ الأقداسِ وَهُوَ مُرَبَّعٌ طُولُ كُلٍّ مِنْ جوانبِهِ الأربعةِ ثلاثونَ قَدَمًا. وَكَانَ الفاصلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ القُدْسِ حِجَابًا نَفيسًا (39). وهُدِمَ هَذَا الهَيْكَلُ فِي حِصَارِ تيطُسَ أورُشليمَ بَعْدَ الميلادِ بسبعينَ سنةً. كَمَا تَنبأَ عَنْهُ السيدُ المسيحُ لَهُ المجدُ (40)، واجتَهدَ الإمبراطورُ يوليانوسُ أَنْ يَبْنِيَهُ سنةَ 363م، فذهبَ اجتهادُهُ هُوَ واليهودُ باطلًا، الَّذِينَ كَانَ يسرّهُمْ إعادةُ بِنائِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا حَفَروا الأساسَ حَدثتِ انفجاراتٌ شديدةٌ وظَهرتْ كُراتٌ ناريةٌ كَسَّرتْ أدواتِ الشُّغْلِ وثارَ الغُبارُ والدُّخانُ حتى أظْلَمَ المكانُ، ولما عاودَ اليهودُ العَمَلَ فِيهِ ثانيةً اندفعوا بقوةٍ غَيْرِ عاديةٍ وأَلْقَوْا جميعَ أدواتِهِمْ تاركينَ الشُّغْلَ يائسينَ.
ذِكرُ دُخُول الرُّوم إِلَى قُدس الأقداس ذي العظمة والفَخَارِ واحراقهم إياه بالنار (41)
لمَّا كانتِ الحربُ قائِمَةً بَينَ الرُّومِ واليهودِ، أَمَرَ " تِيطُسُ " أصحابَهُ ومَنْ جاءَ إِلَيْهِ مِنَ الجُمُوعِ مِنْ سائرِ الأُمَمِ؛ أَنْ يُحِيطُوا بمدينةِ أورُشليمَ ويُحاصِرُوها ويُضَيِّقُوا عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِها، فَيَخضَعُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لمحُاربتِهِم، فَفَعَلوا كذَلِكَ. فلمَّا طالَ الحِصَارُ عَلَى اليهودِ، مَاتَ أكثرُ مَنْ تَبَقَّى مِنْهُمْ. ثُمَّ جَاءَ مَنْ هَرَبَ إِلَى " تيطُسَ " فَقَبِلَهُمْ، ثُمَّ دَخَلَ الرُّومُ إِلَى المدينةِ وَإِلَى بَيْتِ اللَّهِ. فَمَلَكُوهُ ولَمْ يَبْقَ مَنْ يَمنَعُهُمْ عَنْهُ، وأمَّنوا جَميعَ مَنْ كانوا يَخافونَهُ مِنَ اليهودِ، وَكَانَ " تِيطُسُ " قد أَوْصَى أصْحَابَهُ وأكَّدَ عَلَيْهِمْ ألَّا يُحرِقوا القُدسَ، فقالَ لهُ رؤساءُ الرومِ إِنَّكَ إذا لَمْ تُحرِقْه لَا تستطيعُ أَنْ تَمْلِكَ اليهُودَ ولَا أَنْ تَقهَرَهُم، لِأَنَّهُم لَا يَفتُرُونَ وَلَا يَكُفُّونَ عَنِ القتالِ لأجلِهِ مَا دَامَ باقيًا. فإذا حَرقتَهُ ذهَبَ عِزُّهُم ولم يَبْقَ لَهُم مَا يُقاتِلونَ عَنْهُ فَتَنكَسِرُ قُلوبُهُم ويُذَلّونَ. فقالَ لَهُمْ " تِيطُسُ ": قَدْ عَلِمْتُ ذَلِكَ، ولكنْ عَلَى كُلِّ حالٍ لا تُحرقوهُ حتّى آمُرَكُم بِحرقِهِ.
وَكَانَ الطريقُ إِلَى القُدْسِ عَلَيْهِ بابٌ عظيمٌ مُصَفَّحٌ بصفائِحَ فِضِيّةٍ وَكَانَ مُغلَقًا؛ لِأَنَّ اليهودَ كانوا قد أغلقُوهُ بإحكامٍ. فجاءَ بعضُ الرُومِ إِلَى هَذَا البابِ وأحرَقُوهُ ليأخُذُوا الفِضَّةَ الَّتِي عَلَيْهِ. فلمَّا أَحْرَقُوهُ وجَدُوا طَريقَهُمْ إِلَى القُدْسِ فَدَخَلوا إِلَيْهِ وتوَسَّطوهُ. ثُمَّ نَصَبُوا أصْنَامَهُم فِيهِ وقَرَّبوا ذبائِحَهُمْ لِتِيطُسَ سَيِّدِهِم، ورَفَعُوا أصْنَامَهُمْ بمدْحِهِ والثَنَاءِ عَلَيْهِ، وأقْبَلوا يَفْتَرُونَ عَلَى البَيْتِ ويَتَكَلَّمُونَ بالعظائمِ. فلمَّا عَلِمَ مَنْ بَقِيَ مِنَ اليهودِ ذَلِكَ لَمْ يَصْبِروا، فَخَرَجَ قَومٌ مِنهُمْ فِي اللَّيلِ إِلَى الرُّومِ الَّذِينَ فِي القُدسِ فَقَتَلوُهُم. فَلمَّا بَلغَ الخبَرُ إِلَى " تِيطُسَ " جاءَ بِجُنُودِهِ إِلَى القُدسِ فَقَتَلَ أولئكَ، وَهَرَبَ مَنْ بقيَ مِنْهُم إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ فأقاموا فِيهِ.
فلمّا كَانَ الغدُ اجتَمَعَ الرُّومُ وأَحرقُوا بابَ قُدسِ الأقْدَاسِ وكانَتْ كُلُّهَا مُغَشَّاةً بصَفَائحِ الذَّهبِ، فلمَّا سَقطتِ الأبوابُ صَرَخوا صُراخًا عظيمًا. فَعَلِمَ " تِيطُسُ " بذَلِكَ فجاءَ مُسرِعًا إِلَى قُدْسِ الأقداسِ ليَمْنَعَهُم مِنْ إحْراقِهِ فَلَمْ يتِمَّ لهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الناسَ كَثُروا واجتَمَعَ فِيهِ خَلْقٌ كثيرٌ مِنَ الرُّومِ وغيرِهِمْ مِنَ الأُممِ الَّتِي كانتْ تُعَادي اليهودَ وتَطلُبُ التَشَفِّيَ مِنْهُمْ، فَغَلَبُوا " تِيطُسَ " عَلَى رأيهِ وَهُوَ يَصْرُخُ بأعلى صَوْتِهِ لِيَمْنَعَهُمْ. وقيلَ إِنَّهُ قَتَلَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ جماعةً مِنْ أصحابِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ دَخَلوا إِلَى القُدسِ بحَنَقٍ عظيمٍ وحِدَّةٍ شديدةٍ وغَيْظٍ مُفرطٍ فخَرَجَ الأمرُ مِنْ يَدِ تِيطُسَ ولَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِمْ. ويُقالُ أَيْضًا إِنَّهُ صاحَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ إِلَى أَنْ بَحَّ صوته ولَمْ يُسمَعْ كلامُهُ.
ولما رأَى قُدسَ الأقداسِ وشاهَدَ حُسْنَهُ وتفرَّسَ فِي عِظَمِ بَهْجَتِهِ ورائِقِ جمالِهِ وكثرةِ زينتِهِ، تَحيَّرَ وتَعجَّبَ وقالَ: حقًّا إِنَّ هَذَا البَيتَ الجليلَ ينبغي أَنْ يَكونَ بَيْتًا للَّهِ إلهِ السماءِ والأرضِ، ومَسْكَنَ جلالهِ ومحلَّ نُورِهِ وَأَنَّهُ يَحِقُّ لليهودِ أَنْ يُحارِبوا عَنْه ويُقاتِلوا لأَجْلِهِ. ولقدْ أصابتِ الأُممُ فِي إحسانِها لهَذَا البَيْتِ وإجلالِها لهُ، وحَمْلِها لهُ الهدايا والأموالَ، وَأَنَّه لأَعظَمَ مِنْ هَيْكَلِ رومية ومِنْ جَميعِ الهياكلِ الَّتِي شاهدناها وبَلَغَنَا خَبَرُها، والشاهدُ عليَّ هُوَ اللَّهُ، أَنِّي لَمْ أَشَأْ إحراقَهُ ولكنّ القَوْمَ قد فَعلوا ذَلِكَ مِنْ فَرْطِ شَرِّهِمْ وعِظَمِ إلحاحِهِم. ثُمَّ اشتعلتِ النارُ فِي القُدْسِ وأَحْرَقَتْ جميعَهُ، وإذ عَلِمَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الكهنةِ بدُخُولِ الرُّومِ إِلَى قُدْسِ الأقداسِ ليُحْرِقُوهُ جاءوا للقِتَالِ. فحارَبوا الرُّومَ حتى لَمْ تَبْقَ لَهُمْ حِيلةٌ ولا قدرةٌ عَلَى مُحاربتِهِم، فلمَّا غُلِبوا عَلَى أمرِهِمْ ورَأَوْا أَنَّ البَيْتَ قدِ احترَقَ، قالوا بعْدَ احتراقِ قُدْسِ اللَّهِ: مَا لَنَا ولِلحياةِ وأيُّ عَيْشٍ يَطيبُ لَنَا بَعْدُ، فزجُّوا بأنفُسِهِمْ فِي النارِ فاحترَقوا بأجْمعِهِم.
وَكَانَ حَريقُ القُدسِ فِي اليَوْمِ العاشرِ مِنَ الشهرِ الخامس مِثْلَ اليَوْمِ الَّذِي أَحْرقَ فِيهِ الكلدانيونَ البيتَ الأوّلَ. ولما عَلِمَ اليهودُ الَّذِينَ تبقَّوْا فِي المدينةِ بأَنَّ قُدْسَ الأقداسِ قدِ احترقَ، مَضَوْا إِلَى جميعِ مَا فِي المدينةِ مِنَ القصورِ الجليلةِ والمنازلِ الحسَنةِ والأبوابِ الملُوكيةِ فأَحرقوها مع جَميعِ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الذخائرِ الكثيرةِ العددِ والأموالِ.
ولما كَانَ غدُ اليَوْمِ الَّذِي أُحرِقَ فِيهِ القدسُ، ظَهَرَ رَجُلٌ مِنْ بَينِ اليهودِ يَدَّعي النُبُوَّةَ قائلًا: إِنَّ هَذَا البَيتَ يُبنَى كَمَا كَانَ، مِنْ غَيرِ أَنْ يَبنِيَهُ إنسانٌ ولكنَّه يُبنَى بقُدرةِ اللَّهِ، فثابِروا عَلَى مَا أَنتمْ عَلَيْهِ مِنْ مُحاربةِ الرومِ والامتناعِ عَنْ إطاعتِهِمْ. ولَمّا سَمِعَ كلامَهُ مَنْ بَقِيَ مِنَ اليَهودِ اجتمَعوا وقاتَلوا الرُّومَ فظَفَرَ الرُّومُ عَلَيْهِمِ وقَتلوهم عَنْ آخِرهِمْ، وقَتَلوا أَيْضًا جَمْعًا كبيرًا مِنْ عامةِ اليهودِ مِمَّنْ كانوا قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ رَحَموهُم وأَحسَنوا إِلَيْهِمْ.
ذِكرُ أشياء جرت قبل خراب القدس دلَّـت على خرابه
كَانَ قَدْ ظَهَرَ عَلَى القُدْسِ قَبْلَ مجيءِ الإمبراطورِ "وسباسيانس" كَوْكبٌ عظيمٌ لَهُ نُورٌ قَوِيٌّ شديدٌ وَكَانَ القُدْسُ يُضيءُ لَيْلًا بذَلِكَ الكَوْكبِ كَضَوْءِ النَّهارِ تقريبًا. واستَمرَّ مُدةَ سَبعةَ أيامِ عيدِ الفِصْحِ، ثُمَّ غابَ. ففَرِحَ بهِ عامةُ الناسِ، واغْتَمَّ العلماءُ وأَهْلُ الفَضْلِ والمعرفةِ. وكانوا قد أَحضَروا إِلَى القُدْسِ فِي ذَلِكَ العيدِ بَقَرةً ليُقَرِّبوا بِها، فلمّا طَرحوها ليَذبَحوها وَلَدتْ خروفًا فاستشْنعَه الناسُ واستَنْكروهُ، ومنْ ذَلِكَ أَنَّ بابَ القُدْسِ الشرقيِّ كَانَ بابًا عظيمًا ثقيلًا، ولَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَفتحَه إِلَّا جماعةٌ مِنَ الرّجالِ. فلمّا كَانَ فِي تلكَ الأيامِ كانوا يَجِدونَهُ كُلَّ يَوْمٍ مفتوحًا فكَانَ الجُهَّالُ يَفْرحونَ بذَلِكَ وأهلُ العِلْمِ والمعرفةِ يَغْتمّونَ لَهُ. وظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى بَيْتِ المَقْدِسِ فِي الهواءِ صُورةُ وَجْهِ إنسانٍ شَديدِ الحُسْنِ عظيمُ الجمالِ والبهاءِ ساطعُ النورِ والضياءِ. وظَهَرَ فِي الجوِّ أَيْضًا فِي تلكَ الأيامِ صُوَرُ فُرْسانٍ مِنْ نارٍ عَلَى خَيْلٍ مِنْ نارٍ يَطيرونَ فِي الهواءِ قريبًا مِنَ الأرضِ، وَكَانَ ذَلِكَ يُرَى عَلَى أُورشليمَ وَعَلَى جَميعِ أَرْضِ اليَهودِ.
وبعدَ ذَلِكَ سَمِعَ الكهنةُ فِي القُدْسِ لَيْلَةَ عيدِ العنصرةِ صَوْتَ جَماعةٍ كثيرةٍ يَذْهبونَ ويَجيئونَ ويَمْشونَ فِي الهَيْكَلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَوْا أَشخاصًا، لَكِنْ كانوا يَسْمَعونَ صَوْتًا عظيمًا يَقولُ امْضِ بِنَا حتّى نَرْحَلَ مِنْ هَذَا البَيْتِ.
وقَبْلِ خَرابِ القُدْسِ بأَرْبَعِ سِنينَ ظَهَرَ فِي المدينةِ إنسانٌ مِنَ العامَّةِ كَانَ يَمْشِي بَينَ النّاسِ كالمجنونِ، ويَصِيحُ بأَعلى صَوْتِهِ قائلًا: صَوْتٌ فِي المَشْرِقِ، صَوْتٌ فِي المَغربِ، صَوْتٌ فِي أَرْبَعِ جِهاتِ العالَمِ، صَوْتٌ عَلَى أورُشليمَ، صَوْتٌ عَلَى الهَيْكَلِ، صَوْتٌ عَلَى الحِصْنِ، صَوْتٌ عَلَى العَروسِ، صَوْتٌ عَلَى جميعِ الناسِ الَّذِينَ بأُورشليمَ. وَكَانَ الناسُ يَمْقُتُونَهُ ويَنْتَهِرونَهُ ويَتَصورونَهُ مَخبولًا، ولَمْ يَكُنْ هُوَ يَفْتُرُ مِنْ هَذَا، فلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حتّى أَحاطَ الرُّومُ بالمدينةِ. فلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الأيَّامِ والحَرْبُ عَلَى المدينةِ ابتَدأَ أَنْ يَتكلّمَ بما كَانَ يَتكلمُ بهِ عَلَى عادَتِهِ فَرُمِيَ بِحَجَرٍ عَلَى هامَتِهِ فمَاتَ. ووُجِدَ حَجَرٌ قديمٌ فِي ذَلِكَ الزّمانِ مكتوبٌ عَلَيْهِ إذا كَمُلَ بُنْيانُ القُدْسِ وصارَ مُرَبَّعًا عِنْدَ ذَلِكَ يَخْرُبُ. فلَمَّا هَدَمَ تِيطُسُ البُنيانَ الَّذِي كَانَ بِجانبِ القُدْسِ والمُسَمَّى بالعِبرانيةِ: " أنطونيا " أَعادَ اليهودُ بِناءَهُ، وأَضافُوهُ إِلَى جُمْلَةِ القُدْسِ فصَارَ مُرَبَّعًا. وكانوا قَدْ نَسُوا ذَلِكَ المكتوبُ الَّذِي وَجَدُوهُ عَلَى الحجرِ. فلمّا رَأَوْا القُدْسَ وقَدْ تَرَبَّعَ تذكّروا ذَلِكَ. ووَجدوا أَيْضًا فِي جانبِ حائطِ قُدْسِ الأقداسِ حَجَرًا مكتوبٌ عَلَيْهِ إذا صارَ الهَيْكَلُ مُرَبَّعًا يَمْلِكُ حينئذٍ عَلَى إسرائيلَ مَلِكٌ ويَستَوْلي عَلَى سائرِ الأَرْضِ، فقالَ بَعْضُ النّاسِ هُوَ مَلِكُ إسرائيلَ، وقالَ
الحُكماءُ والكَتَبةُ بَلْ هُوَ مَلِك الرُّومِ.
------------------------
(1) (مت 21: 20 ـ 22)، (مر 11: 20 ـ 23)
(2) (مر 11: 24 ـ 26)
(3) (مت 21: 23 ـ 27)، (مر 11: 27 ـ 33)، (لو 20: 1 ـ 8)
(4) (مت 21: 28 ـ 32)
(5) (مت 21: 33 ـ 46)، (مر 12: 1 - 12)، (لو 20: 9 ـ 19)
(6) (مت 22: 1 ـ 14)
(7) (مت 22: 15 ـ 22)، (مر 12: 13 ـ 17)، (لو 20: 20 ـ 26)
(8) (مت 22: 34 ـ 40)، (مر 12: 28 ـ 34)
(9) (مت 22: 41 - 46)، (مر 12: 35 - 37)، (لو 20: 41 ـ 44)
(10) (مت 23: 1 ـ 12)، (مر 12: 38، 39)، (لو 20: 45، 46)
(11) (مت 23: 13 ـ 39)، (مر 12: 40)، (لو 20: 47)
(12) (مر 12: 41 ـ 44)، (لو 21: 1 ـ 4)
(13) (مت 24: 1 ـ 14)، (مر 13: 1 - 13)، (لو 21: 5 ـ 19)
(14) (مت 24: 15 ـ 44)، (مر 13: 14 ـ 37)، (لو 21: 20 ـ 36)
(15) (مت 24: 45 ـ 51)
(16) (مت 25: 1 ـ 30)
(17) (مت 26: 2)
(18) (مت 26: 1 ـ 16)، (مر 14: 1 ـ 11)، (لو 22: 1 ـ 6)
(19) (2أي 3: 1، 2)
(20) (2أي 3: 6)
(21) عبارة عن 30000 من اليهود وكانوا يخدمون بالدور 10000 كل شهر، ومنهم 153300 من الكنعانيين فتعيَّن منهم 70000 لحَمْل الحجارة والأخشاب وغيرهما و80000 من النحاتين والنجَّارين و3300 ناظرًا.
(22) (1مل 6: 7)
(23) (1مل 6: 8)
(24) (2أي 36: 6، 7)
(25) (عز 3: 8)
(26) (حج 2: 3، 9)
(27) (يو 2: 20)
(28) (أع 3: 2، 10)
(29) (لو 2: 46)
(30) (أع 2: 46)
(31) (أع 3: 11)
(32) (مت 4: 6)
(33) (2أي 4: 9)
(34) (أف 2: 13، 14)
(35) (أع 21: 28)
(36) (لو 18: 10 ـ 14)، (أع 21: 26 ـ 30)
(37) (مر 12: 41)
(38) (2أي 4: 9)
(39) (مت 27: 51)
(40) (مت 24: 2)
(41) (من تاريخ يوسيفوس المؤرخ).
لَمَّا رَجَعَ السيدُ المسيحُ لهُ المجدُ مِنْ بَيْتِ عَنيا فِي صباحِ يَوْمِ الثُلاثاءِ إِلَى المدينةِ، ورأَى التلاميذُ أَنَّ التِّينَةَ الَّتِي لَعَنَها قد يَبِسَتْ، تَعَجَّبوا (1). فكلَّمَهُم عَنِ الإيمانِ (2). وحينما دَخَلَ ربُّنا يسوعُ الهَيْكَلَ سألَهُ الفَرِّيسيُّونَ بمَكْرٍ: بأيِّ سُلطانٍ تَفعَلُ هَذَا ومَنْ أعطاكَ هَذَا السُّلطانَ؟ فأجابَهم عَلَى سُؤالِهِمْ قائلًا لَهْمْ عَنْ معموديةِ يوحنا (3)، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَ الابْنَيْنِ (4) ، ومَثَلَ الكرَّامِينَ الأشرارِ (5) ومَثَلَ عُرْسِ ابنِ المَلِكِ (6)، وبعدئِذٍ سَأَلهُ الفَريسيّونَ عَنْ جَوَازِ إعطاءِ الجِزيةِ لقَيْصَرَ (7)، والصَّدوقيُّونَ عَنِ القيامةِ، والناموسيُّ عَنِ الوصيةِ العُظْمَى (8)، ثُمَّ سَأَلَ الفَريسيّينَ عَنِ اعتقادِهِمْ فِيهِ وأَظْهَرَ لَهُمْ رِياءَهُم (9). ثُمَّ حَذَّرَ الجموعَ وتلاميذَه من خُبْثِ الكتبةِ والفريسيَينَ (10). ثُمَّ أَعطَى الوَيْلَ للكتبةِ والفريسيّينَ ورَثَى أورُشليمَ (11)، ثُمَّ مَدَحَ الأرمَلةَ المِسكِينةَ الَّتِي أَلقتْ فِي الخِزانةِ الفَلْسَيْنِ وَكَانا كُلَّ مَا تَمتلِكُ (12)، ثُمَّ طَلَبَ أُناسٌ يُونانِيونَ أَنْ يَرَوْهُ، ثُمَّ تَكلَّمَ قليلًا معَ الجَمْعِ وتَرَكَ الهَيْكَلَ، وَفِيمَا هُوَ خارِجٌ مِنْهُ أشَارَ تلاميذُهُ إِلَى فخامةِ وعظمةِ أبنيةِ الهَيْكَلِ، فأَنبأَهُمْ بخرابِهِ واضطهادِ اليهودِ لَهُم إذْ رَثَى أورُشليمَ لأجْلِ خَرَابِها (13)، ولما صَعِدَ إِلَى جَبَلِ الزَّيتُونِ جَلَسَ هُناكَ وابتَدأَ يَشرَحَ لبطرسَ ويعقُوبَ ويوحنا وأندراوسَ ترتيبَ الحوادثِ وعلاماتِ مجيئهِ، وخَرابَ أورُشليمَ، ونِهايةَ الأُمةِ اليهودِيَّةِ وزوالَ نِظامِها (14)، ومجيئَهُ الأَخيرَ فِي يَوْمِ الدينونةِ والحثَّ عَلَى السَّهَرِ (15)، ومَثَلَ العَشرَ العَذَارَى ومَثَلَ الوزناتِ. وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى جَبَلِ الزَّيتونِ (16). ولما أَكْمَلَ ربُّنا يسوعُ هَذِهِ الأقوالَ كُلَّها، قال لتلاميذِهِ: " أَنَّهُ بَعْدَ يَوْميْنِ يَكُونُ الفِصْحُ وابنُ الإنسانِ يُسلَّمُ لِيُصْلَبَ" (17)، ثُمَّ مَضَى إِلَى بَيْتِ عَنيا لِيَسْتَريحَ فِيهِ، وَفِي هَذَا المساءِ تَشاورَ رؤساءُ اليهودِ عَلَى قَتْلِهِ (18)، ويَحسُنُ بِنا أَنْ نَضَعَ هُنا عُجالةً تاريخيةً عَنْ بِناءِ الهَيْكَلِ وهَدْمِهِ، وَهَا هِيَ:
بَنَى "سُلَيْمانُ" الهَيْكَلَ الأوَّلَ سنة 1005 قَبْلَ الميلادِ فِي اليَوْمِ الثاني مِنَ الشهر الثاني مِنَ السنةِ الرابعةِ لمُلْكِهِ فِي أورُشليمَ، فِي جَبَلِ المُرَيَّا حيثُ تَراءَى الربُّ لداودَ أبيهِ. وهناكَ هيَّأَ مَكانًا فِي بَيْدَرِ "أُرنَانَ اليَبُوسِيِّ" (19)، فأقامَ جُدرانًا عاليةً مِنْ بطنِ وادي يهوشافاطَ إِلَى قِمّةِ الجبَلِ وملأَ الفراغَ الكائنَ بَيْنَ القبةِ والجُدرانِ بالتُّرابِ والحجارةِ. وقال يُوسِيفُوسُ المؤَرِّخُ: إِنَّهُ كَانَ طُولُ بعضِ تِلكَ الحِجَارةِ خَمسًا وأربَعينَ ذراعًا وعرضُهُ سِتًّا وسُمكُهُ خَمْسًا، وإنَّهُ كَانَ أَكبرُ الحجارةِ فِي الجانبِ الشرقيِّ. وزَيَّنَ سُلَيْمانُ كلَّ مَا بَنَاهُ بالهَيْكَلِ مِنْ غُرَفٍ ودُورٍ وأَرْوِقَةٍ وأَعْمِدةٍ وأبوابٍ، وكانتْ مُغَشَّاةً بالفِضَّةِ والذهبِ. وبالإجْمالِ فَإِنَّه قد رَصَّعَ البَيْتَ بحِجارةٍ كريمةٍ بَهيَّةِ الجَمالِ (20)، وشُغِلَ بِبِنائِهِ مُدّةَ سَبْعَ سِنينَ ونِصْفٍ واستخدمَ فِي عمليةِ بِنائِهِ 183300 شَخْصًا (21). وكانتِ الموادُ تُشَغَّلُ عَلَى بُعْدٍ مِنْ مكانِ البناءِ. "فلَمْ يُسْمَعْ فِي البَيْتِ عِنْدَ بِنَائِهِ مِنْحَتٌ ولا مِعْوَلٌ ولا أدَاةٌ من حَدِيدٍ" (22)، وَكَانَ مَقْدمُ الهَيْكَلِ نحوَ الشّرْقِ، وخَلْفُهُ بِناءٌ يَقِلُّ عنهُ ارتفاعًا، وَكَانَ عَلَى جانبيْ هَذَا البِناءِ غُرَفٌ صغيرةٌ يُدخَلُ إِلَيْهَا مِنَ الخارجِ. وفَوْقَها غُرَفٌ مُغَشَّاةٌ بالذهبِ لَا يُسمَحُ لأحدٍ إِلَّا للمُلوكِ أَنْ يَصْعَدوا إِلَيْهَا (23). وبَقِيَ هَيْكَلُ سُليمانَ 424 سنةً إِلَى أَنْ هَدَمَهُ نبوخذناصّر سنة 584 قَبْلَ الميلادِ (24)، وبَنَى زَرُبَّابِلُ الهَيْكَلَ الثانيَ (25) مكانَ الأوّلِ بَعْدَ سبعينَ سنةً مِنْ هَدْمِهِ، فكَانَ دُونَ الهَيْكَلِ الأوّلِ فِي الزّينةِ والبهاءِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ تابوتُ العهدِ إذ فُقِدَ فِي السّبيِ، ولَمْ تَظْهَرْ فِيهِ سَحابةُ المجدِ. ولا كاروبا المجدِ، ولا الأوريمُ، ولا التُّمِّيمُ ولا رُوحُ النُّبوةِ، ومع ذَلِكَ فَإِنَّهُ قد فاقَ الأوّلَ مجدًا وكرامةً لدُخولِ السيدِ المسيحِ فِيهِ (26)، وكثيرًا مَا دنَّسَ هَذَا الهَيْكَلَ مُلوكُ الأممِ الَّذِينَ استَوْلَوْا عَلَى أورُشليمَ وخرَّبوا مِنهُ جانبًا. وأَخذَ هيرودِسُ الكَبيرُ يُرَمِّمُهُ ويُصلِحُهُ ليَستَمِيلَ إِلَيْهِ قُلُوبَ اليَهودِ. وابتَدأَ بعَمَلِ ذَلِكَ فِي السنةِ الثامنةَ عَشَرَ لِمُلْكِهِ، وَذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الميلادِ بعشرينَ سنةً، وشَغَّلَ فِي ترميمِهِ نَحْوَ عَشرةِ آلافٍ مِنْ مَهَرةِ البنائينَ، وظَلَّ خُلفاؤهُ يُصْلِحُونَهُ، حتى صَحَّ قَوْلُ اليَهودِ للسيدِ المسيح إِنَّهُ: " بُنِيَ فِي سِتٍّ وأَربعينَ سنةً " (27)، وَكَانتْ فَسَحَةُ الهَيْكَلِ مُرَبَّعَةً عَرْضُ كُلٍّ مِنْ جُدرَانِها أَربَعُمئةُ ذِراعٍ.
وَكَانَ فِي ذَلِكَ الهيكل أربع أدوار:
الأولى: دارُ الأُممِ، وَفِي الجانبِ الشرقِيِّ مِنْ هَذِهِ الدارِ بابُ الهَيْكَلِ الجميلِ (28)، ويُحِيطُ بها أَرْوِقَةٌ وَعَلَى جوانبِها غُرَفٌ لِسَكَنِ اللاويينَ. وَفِي أَحَدِ تِلْكَ الجوانبِ مَجْمَعٌ أو مَدرسَةٌ لِعُلَمَاءِ اليهودِ، وَفِي تلكَ المدرسةِ جَلَسَ ربُّنا يَسُوعُ وَهُوَ ابنُ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سنةً فِي وَسَطِ المُعَلِّمينَ، يَسْمَعُهُم ويَسألهُم (29). وَفِي تِلْكَ الأَرْوِقةِ خَاطَبَ ربنا يسوعُ الشَّعبَ. وَفِيهَا كَانَ يَجتمعُ التلاميذُ كلَّ يَوْمٍ بَعْدَ صُعودِهِ (30)، واشْتَهَرَ أَحَدُ هَذِهِ الأروقةِ أكثرَ مِنْ غَيْرِهِ بنِسْبَتِهِ إِلَى رواقِ سُلَيْمانَ (31)، وَكَانَ عُلو هَذَا الرواق سَبْعَمائة قَدَمٍ، وهُناكَ جَرَّبَ الشَّيْطانُ السيّدَ المسيحَ بأَنْ يَطْرَحَ نَفْسَهُ مِنْ سَطْحِهِ إِلَى أَسْفَلُ (32). وَكَانَ فِي تلكَ الدارِ موائدُ للصيارفةِ وباعةِ الحمامِ وأمثالِهِمْ. وَسُمِّيَتْ بدارِ الأُممِ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لغَيْرِ اليَهودِ أَنْ يُجَاوِزوهَا إِلَى الداخلِ. ولَمْ يَكُنْ فِي هَيْكَلِ سُلَيْمانَ دارٌ للأُممِ، فما كَانَ فِيهِ سِوَى دارٍ للكهنةِ والدارِ العظيمةِ (33).
الثانيةُ: دارُ النِّساءِ ونُسِبَتْ إِلَى النِّساءِ، لَا لِأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِهنَّ بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْمَحْ لَهُنَّ أَنْ يتعدَّيْنَها إِلَى دَاخِلٍ، فَكُنَّ يأتِيْنَ إِلَيْهَا ليُقدِّمْنَ القَرابينَ. وَهِيَ أعْلَى مِنَ الدارِ الأولى فكانوا يَصعَدونَ إِلَيْهَا بتِسْعِ درجاتٍ، وفَصَلوا بَيْنَ الداريْنِ بِجدارٍ مِنْ حَجَرٍ، وأقاموا قُرْبَ الدَّرَجاتِ عُمُدًا مِنَ الرُّخَامِ كَتَبوا عَلَيْهَا باليونانيةِ واللاتينيةِ إنذاراتٍ للأُمَمِ خُلاصتُها: أَنَّ مَنْ جاوزَها مِنْهُم إِلَى الداخلِ يُقْتَلُ (34)، واتُّهِمَ بولُسُ أَنَّهُ أَدْخَلَ يُونانيينَ إِلَى الهَيْكَلِ ودَنَّسَ ذَلِكَ المَوْضِعَ المقدَّسَ (25)، وَكَانَ اليهودُ يُمارسونَ العبادةَ العاديّةَ فِي تلكَ الدارِ (36) وَكَانَ فِي جوانبِها ثلاثةَ عَشرَ صُندوقًا يَضَعُ العابِدونَ قرابينَهُمْ فِيهَا (37).
الثالثةُ: دارُ إسرائيلَ أيْ دارُ ذُكورِ الإسرائيليينَ، وكانتِ الدارُ العظيمةُ فِي هَيْكَلِ سُليمانَ تَشتَمِلُ عَلَى هَذِهِ الأقسامِ الثلاثةِ (38)، وَهِيَ أَرْفَعُ مِنْ دارِ النِّساءِ وكانُوا يَصْعَدونَ إِلَيْهَا بِخَمْسِ عَشرةَ دَرَجةً، وفَصَلُوا بَيْنَهُما بِجِدارٍ، فِيهِ ثَلاثةُ أبوابٍ.
الرابعةُ: دارُ الكهنةِ شَرقيَّ دارِ إسرائيلَ وَفِيهَا مَذْبحُ المُحرَقةِ والمِرحَضةُ. وغَربيَّ هَذِهِ الدارِ الهَيْكَلُ الحقيقيُّ وَهُوَ أعلَى مِنْها، وكانوا يَصعَدونَ إِلَيْهِ باثنتيْ عَشَرةَ دَرَجَةً. وَكَانَ قُدَّامَهُ رواقٌ مُتَّجِهٌ إِلَى الشّرقِ عُلْوُ قِمَّتِهِ مائَةُ وتِسعُونَ قَدَمًا وَفِي مَدْخَلِهِ عمودانِ اسمُ أحدِهِما ياكينُ والثاني بُوعَزُ. وقُسِّمَ إِلَى قِسمَيْنِ: الأوّلُ القُدْسُ وَطُولُهُ سِتُّونَ قَدَمًا وعَرْضُهُ ثلاثونَ قَدَمًا وَفِيهِ المنارةُ الذهبيةُ ومائدةُ خُبزِ الوُجُوهِ ومذبحُ البَخورِ. والثاني قُدسُ الأقداسِ وَهُوَ مُرَبَّعٌ طُولُ كُلٍّ مِنْ جوانبِهِ الأربعةِ ثلاثونَ قَدَمًا. وَكَانَ الفاصلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ القُدْسِ حِجَابًا نَفيسًا (39). وهُدِمَ هَذَا الهَيْكَلُ فِي حِصَارِ تيطُسَ أورُشليمَ بَعْدَ الميلادِ بسبعينَ سنةً. كَمَا تَنبأَ عَنْهُ السيدُ المسيحُ لَهُ المجدُ (40)، واجتَهدَ الإمبراطورُ يوليانوسُ أَنْ يَبْنِيَهُ سنةَ 363م، فذهبَ اجتهادُهُ هُوَ واليهودُ باطلًا، الَّذِينَ كَانَ يسرّهُمْ إعادةُ بِنائِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا حَفَروا الأساسَ حَدثتِ انفجاراتٌ شديدةٌ وظَهرتْ كُراتٌ ناريةٌ كَسَّرتْ أدواتِ الشُّغْلِ وثارَ الغُبارُ والدُّخانُ حتى أظْلَمَ المكانُ، ولما عاودَ اليهودُ العَمَلَ فِيهِ ثانيةً اندفعوا بقوةٍ غَيْرِ عاديةٍ وأَلْقَوْا جميعَ أدواتِهِمْ تاركينَ الشُّغْلَ يائسينَ.
ذِكرُ دُخُول الرُّوم إِلَى قُدس الأقداس ذي العظمة والفَخَارِ واحراقهم إياه بالنار (41)
لمَّا كانتِ الحربُ قائِمَةً بَينَ الرُّومِ واليهودِ، أَمَرَ " تِيطُسُ " أصحابَهُ ومَنْ جاءَ إِلَيْهِ مِنَ الجُمُوعِ مِنْ سائرِ الأُمَمِ؛ أَنْ يُحِيطُوا بمدينةِ أورُشليمَ ويُحاصِرُوها ويُضَيِّقُوا عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِها، فَيَخضَعُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لمحُاربتِهِم، فَفَعَلوا كذَلِكَ. فلمَّا طالَ الحِصَارُ عَلَى اليهودِ، مَاتَ أكثرُ مَنْ تَبَقَّى مِنْهُمْ. ثُمَّ جَاءَ مَنْ هَرَبَ إِلَى " تيطُسَ " فَقَبِلَهُمْ، ثُمَّ دَخَلَ الرُّومُ إِلَى المدينةِ وَإِلَى بَيْتِ اللَّهِ. فَمَلَكُوهُ ولَمْ يَبْقَ مَنْ يَمنَعُهُمْ عَنْهُ، وأمَّنوا جَميعَ مَنْ كانوا يَخافونَهُ مِنَ اليهودِ، وَكَانَ " تِيطُسُ " قد أَوْصَى أصْحَابَهُ وأكَّدَ عَلَيْهِمْ ألَّا يُحرِقوا القُدسَ، فقالَ لهُ رؤساءُ الرومِ إِنَّكَ إذا لَمْ تُحرِقْه لَا تستطيعُ أَنْ تَمْلِكَ اليهُودَ ولَا أَنْ تَقهَرَهُم، لِأَنَّهُم لَا يَفتُرُونَ وَلَا يَكُفُّونَ عَنِ القتالِ لأجلِهِ مَا دَامَ باقيًا. فإذا حَرقتَهُ ذهَبَ عِزُّهُم ولم يَبْقَ لَهُم مَا يُقاتِلونَ عَنْهُ فَتَنكَسِرُ قُلوبُهُم ويُذَلّونَ. فقالَ لَهُمْ " تِيطُسُ ": قَدْ عَلِمْتُ ذَلِكَ، ولكنْ عَلَى كُلِّ حالٍ لا تُحرقوهُ حتّى آمُرَكُم بِحرقِهِ.
وَكَانَ الطريقُ إِلَى القُدْسِ عَلَيْهِ بابٌ عظيمٌ مُصَفَّحٌ بصفائِحَ فِضِيّةٍ وَكَانَ مُغلَقًا؛ لِأَنَّ اليهودَ كانوا قد أغلقُوهُ بإحكامٍ. فجاءَ بعضُ الرُومِ إِلَى هَذَا البابِ وأحرَقُوهُ ليأخُذُوا الفِضَّةَ الَّتِي عَلَيْهِ. فلمَّا أَحْرَقُوهُ وجَدُوا طَريقَهُمْ إِلَى القُدْسِ فَدَخَلوا إِلَيْهِ وتوَسَّطوهُ. ثُمَّ نَصَبُوا أصْنَامَهُم فِيهِ وقَرَّبوا ذبائِحَهُمْ لِتِيطُسَ سَيِّدِهِم، ورَفَعُوا أصْنَامَهُمْ بمدْحِهِ والثَنَاءِ عَلَيْهِ، وأقْبَلوا يَفْتَرُونَ عَلَى البَيْتِ ويَتَكَلَّمُونَ بالعظائمِ. فلمَّا عَلِمَ مَنْ بَقِيَ مِنَ اليهودِ ذَلِكَ لَمْ يَصْبِروا، فَخَرَجَ قَومٌ مِنهُمْ فِي اللَّيلِ إِلَى الرُّومِ الَّذِينَ فِي القُدسِ فَقَتَلوُهُم. فَلمَّا بَلغَ الخبَرُ إِلَى " تِيطُسَ " جاءَ بِجُنُودِهِ إِلَى القُدسِ فَقَتَلَ أولئكَ، وَهَرَبَ مَنْ بقيَ مِنْهُم إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ فأقاموا فِيهِ.
فلمّا كَانَ الغدُ اجتَمَعَ الرُّومُ وأَحرقُوا بابَ قُدسِ الأقْدَاسِ وكانَتْ كُلُّهَا مُغَشَّاةً بصَفَائحِ الذَّهبِ، فلمَّا سَقطتِ الأبوابُ صَرَخوا صُراخًا عظيمًا. فَعَلِمَ " تِيطُسُ " بذَلِكَ فجاءَ مُسرِعًا إِلَى قُدْسِ الأقداسِ ليَمْنَعَهُم مِنْ إحْراقِهِ فَلَمْ يتِمَّ لهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الناسَ كَثُروا واجتَمَعَ فِيهِ خَلْقٌ كثيرٌ مِنَ الرُّومِ وغيرِهِمْ مِنَ الأُممِ الَّتِي كانتْ تُعَادي اليهودَ وتَطلُبُ التَشَفِّيَ مِنْهُمْ، فَغَلَبُوا " تِيطُسَ " عَلَى رأيهِ وَهُوَ يَصْرُخُ بأعلى صَوْتِهِ لِيَمْنَعَهُمْ. وقيلَ إِنَّهُ قَتَلَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ جماعةً مِنْ أصحابِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ دَخَلوا إِلَى القُدسِ بحَنَقٍ عظيمٍ وحِدَّةٍ شديدةٍ وغَيْظٍ مُفرطٍ فخَرَجَ الأمرُ مِنْ يَدِ تِيطُسَ ولَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِمْ. ويُقالُ أَيْضًا إِنَّهُ صاحَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ إِلَى أَنْ بَحَّ صوته ولَمْ يُسمَعْ كلامُهُ.
ولما رأَى قُدسَ الأقداسِ وشاهَدَ حُسْنَهُ وتفرَّسَ فِي عِظَمِ بَهْجَتِهِ ورائِقِ جمالِهِ وكثرةِ زينتِهِ، تَحيَّرَ وتَعجَّبَ وقالَ: حقًّا إِنَّ هَذَا البَيتَ الجليلَ ينبغي أَنْ يَكونَ بَيْتًا للَّهِ إلهِ السماءِ والأرضِ، ومَسْكَنَ جلالهِ ومحلَّ نُورِهِ وَأَنَّهُ يَحِقُّ لليهودِ أَنْ يُحارِبوا عَنْه ويُقاتِلوا لأَجْلِهِ. ولقدْ أصابتِ الأُممُ فِي إحسانِها لهَذَا البَيْتِ وإجلالِها لهُ، وحَمْلِها لهُ الهدايا والأموالَ، وَأَنَّه لأَعظَمَ مِنْ هَيْكَلِ رومية ومِنْ جَميعِ الهياكلِ الَّتِي شاهدناها وبَلَغَنَا خَبَرُها، والشاهدُ عليَّ هُوَ اللَّهُ، أَنِّي لَمْ أَشَأْ إحراقَهُ ولكنّ القَوْمَ قد فَعلوا ذَلِكَ مِنْ فَرْطِ شَرِّهِمْ وعِظَمِ إلحاحِهِم. ثُمَّ اشتعلتِ النارُ فِي القُدْسِ وأَحْرَقَتْ جميعَهُ، وإذ عَلِمَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الكهنةِ بدُخُولِ الرُّومِ إِلَى قُدْسِ الأقداسِ ليُحْرِقُوهُ جاءوا للقِتَالِ. فحارَبوا الرُّومَ حتى لَمْ تَبْقَ لَهُمْ حِيلةٌ ولا قدرةٌ عَلَى مُحاربتِهِم، فلمَّا غُلِبوا عَلَى أمرِهِمْ ورَأَوْا أَنَّ البَيْتَ قدِ احترَقَ، قالوا بعْدَ احتراقِ قُدْسِ اللَّهِ: مَا لَنَا ولِلحياةِ وأيُّ عَيْشٍ يَطيبُ لَنَا بَعْدُ، فزجُّوا بأنفُسِهِمْ فِي النارِ فاحترَقوا بأجْمعِهِم.
وَكَانَ حَريقُ القُدسِ فِي اليَوْمِ العاشرِ مِنَ الشهرِ الخامس مِثْلَ اليَوْمِ الَّذِي أَحْرقَ فِيهِ الكلدانيونَ البيتَ الأوّلَ. ولما عَلِمَ اليهودُ الَّذِينَ تبقَّوْا فِي المدينةِ بأَنَّ قُدْسَ الأقداسِ قدِ احترقَ، مَضَوْا إِلَى جميعِ مَا فِي المدينةِ مِنَ القصورِ الجليلةِ والمنازلِ الحسَنةِ والأبوابِ الملُوكيةِ فأَحرقوها مع جَميعِ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الذخائرِ الكثيرةِ العددِ والأموالِ.
ولما كَانَ غدُ اليَوْمِ الَّذِي أُحرِقَ فِيهِ القدسُ، ظَهَرَ رَجُلٌ مِنْ بَينِ اليهودِ يَدَّعي النُبُوَّةَ قائلًا: إِنَّ هَذَا البَيتَ يُبنَى كَمَا كَانَ، مِنْ غَيرِ أَنْ يَبنِيَهُ إنسانٌ ولكنَّه يُبنَى بقُدرةِ اللَّهِ، فثابِروا عَلَى مَا أَنتمْ عَلَيْهِ مِنْ مُحاربةِ الرومِ والامتناعِ عَنْ إطاعتِهِمْ. ولَمّا سَمِعَ كلامَهُ مَنْ بَقِيَ مِنَ اليَهودِ اجتمَعوا وقاتَلوا الرُّومَ فظَفَرَ الرُّومُ عَلَيْهِمِ وقَتلوهم عَنْ آخِرهِمْ، وقَتَلوا أَيْضًا جَمْعًا كبيرًا مِنْ عامةِ اليهودِ مِمَّنْ كانوا قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ رَحَموهُم وأَحسَنوا إِلَيْهِمْ.
ذِكرُ أشياء جرت قبل خراب القدس دلَّـت على خرابه
كَانَ قَدْ ظَهَرَ عَلَى القُدْسِ قَبْلَ مجيءِ الإمبراطورِ "وسباسيانس" كَوْكبٌ عظيمٌ لَهُ نُورٌ قَوِيٌّ شديدٌ وَكَانَ القُدْسُ يُضيءُ لَيْلًا بذَلِكَ الكَوْكبِ كَضَوْءِ النَّهارِ تقريبًا. واستَمرَّ مُدةَ سَبعةَ أيامِ عيدِ الفِصْحِ، ثُمَّ غابَ. ففَرِحَ بهِ عامةُ الناسِ، واغْتَمَّ العلماءُ وأَهْلُ الفَضْلِ والمعرفةِ. وكانوا قد أَحضَروا إِلَى القُدْسِ فِي ذَلِكَ العيدِ بَقَرةً ليُقَرِّبوا بِها، فلمّا طَرحوها ليَذبَحوها وَلَدتْ خروفًا فاستشْنعَه الناسُ واستَنْكروهُ، ومنْ ذَلِكَ أَنَّ بابَ القُدْسِ الشرقيِّ كَانَ بابًا عظيمًا ثقيلًا، ولَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَفتحَه إِلَّا جماعةٌ مِنَ الرّجالِ. فلمّا كَانَ فِي تلكَ الأيامِ كانوا يَجِدونَهُ كُلَّ يَوْمٍ مفتوحًا فكَانَ الجُهَّالُ يَفْرحونَ بذَلِكَ وأهلُ العِلْمِ والمعرفةِ يَغْتمّونَ لَهُ. وظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى بَيْتِ المَقْدِسِ فِي الهواءِ صُورةُ وَجْهِ إنسانٍ شَديدِ الحُسْنِ عظيمُ الجمالِ والبهاءِ ساطعُ النورِ والضياءِ. وظَهَرَ فِي الجوِّ أَيْضًا فِي تلكَ الأيامِ صُوَرُ فُرْسانٍ مِنْ نارٍ عَلَى خَيْلٍ مِنْ نارٍ يَطيرونَ فِي الهواءِ قريبًا مِنَ الأرضِ، وَكَانَ ذَلِكَ يُرَى عَلَى أُورشليمَ وَعَلَى جَميعِ أَرْضِ اليَهودِ.
وبعدَ ذَلِكَ سَمِعَ الكهنةُ فِي القُدْسِ لَيْلَةَ عيدِ العنصرةِ صَوْتَ جَماعةٍ كثيرةٍ يَذْهبونَ ويَجيئونَ ويَمْشونَ فِي الهَيْكَلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَوْا أَشخاصًا، لَكِنْ كانوا يَسْمَعونَ صَوْتًا عظيمًا يَقولُ امْضِ بِنَا حتّى نَرْحَلَ مِنْ هَذَا البَيْتِ.
وقَبْلِ خَرابِ القُدْسِ بأَرْبَعِ سِنينَ ظَهَرَ فِي المدينةِ إنسانٌ مِنَ العامَّةِ كَانَ يَمْشِي بَينَ النّاسِ كالمجنونِ، ويَصِيحُ بأَعلى صَوْتِهِ قائلًا: صَوْتٌ فِي المَشْرِقِ، صَوْتٌ فِي المَغربِ، صَوْتٌ فِي أَرْبَعِ جِهاتِ العالَمِ، صَوْتٌ عَلَى أورُشليمَ، صَوْتٌ عَلَى الهَيْكَلِ، صَوْتٌ عَلَى الحِصْنِ، صَوْتٌ عَلَى العَروسِ، صَوْتٌ عَلَى جميعِ الناسِ الَّذِينَ بأُورشليمَ. وَكَانَ الناسُ يَمْقُتُونَهُ ويَنْتَهِرونَهُ ويَتَصورونَهُ مَخبولًا، ولَمْ يَكُنْ هُوَ يَفْتُرُ مِنْ هَذَا، فلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حتّى أَحاطَ الرُّومُ بالمدينةِ. فلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الأيَّامِ والحَرْبُ عَلَى المدينةِ ابتَدأَ أَنْ يَتكلّمَ بما كَانَ يَتكلمُ بهِ عَلَى عادَتِهِ فَرُمِيَ بِحَجَرٍ عَلَى هامَتِهِ فمَاتَ. ووُجِدَ حَجَرٌ قديمٌ فِي ذَلِكَ الزّمانِ مكتوبٌ عَلَيْهِ إذا كَمُلَ بُنْيانُ القُدْسِ وصارَ مُرَبَّعًا عِنْدَ ذَلِكَ يَخْرُبُ. فلَمَّا هَدَمَ تِيطُسُ البُنيانَ الَّذِي كَانَ بِجانبِ القُدْسِ والمُسَمَّى بالعِبرانيةِ: " أنطونيا " أَعادَ اليهودُ بِناءَهُ، وأَضافُوهُ إِلَى جُمْلَةِ القُدْسِ فصَارَ مُرَبَّعًا. وكانوا قَدْ نَسُوا ذَلِكَ المكتوبُ الَّذِي وَجَدُوهُ عَلَى الحجرِ. فلمّا رَأَوْا القُدْسَ وقَدْ تَرَبَّعَ تذكّروا ذَلِكَ. ووَجدوا أَيْضًا فِي جانبِ حائطِ قُدْسِ الأقداسِ حَجَرًا مكتوبٌ عَلَيْهِ إذا صارَ الهَيْكَلُ مُرَبَّعًا يَمْلِكُ حينئذٍ عَلَى إسرائيلَ مَلِكٌ ويَستَوْلي عَلَى سائرِ الأَرْضِ، فقالَ بَعْضُ النّاسِ هُوَ مَلِكُ إسرائيلَ، وقالَ
الحُكماءُ والكَتَبةُ بَلْ هُوَ مَلِك الرُّومِ.
------------------------
(1) (مت 21: 20 ـ 22)، (مر 11: 20 ـ 23)
(2) (مر 11: 24 ـ 26)
(3) (مت 21: 23 ـ 27)، (مر 11: 27 ـ 33)، (لو 20: 1 ـ 8)
(4) (مت 21: 28 ـ 32)
(5) (مت 21: 33 ـ 46)، (مر 12: 1 - 12)، (لو 20: 9 ـ 19)
(6) (مت 22: 1 ـ 14)
(7) (مت 22: 15 ـ 22)، (مر 12: 13 ـ 17)، (لو 20: 20 ـ 26)
(8) (مت 22: 34 ـ 40)، (مر 12: 28 ـ 34)
(9) (مت 22: 41 - 46)، (مر 12: 35 - 37)، (لو 20: 41 ـ 44)
(10) (مت 23: 1 ـ 12)، (مر 12: 38، 39)، (لو 20: 45، 46)
(11) (مت 23: 13 ـ 39)، (مر 12: 40)، (لو 20: 47)
(12) (مر 12: 41 ـ 44)، (لو 21: 1 ـ 4)
(13) (مت 24: 1 ـ 14)، (مر 13: 1 - 13)، (لو 21: 5 ـ 19)
(14) (مت 24: 15 ـ 44)، (مر 13: 14 ـ 37)، (لو 21: 20 ـ 36)
(15) (مت 24: 45 ـ 51)
(16) (مت 25: 1 ـ 30)
(17) (مت 26: 2)
(18) (مت 26: 1 ـ 16)، (مر 14: 1 ـ 11)، (لو 22: 1 ـ 6)
(19) (2أي 3: 1، 2)
(20) (2أي 3: 6)
(21) عبارة عن 30000 من اليهود وكانوا يخدمون بالدور 10000 كل شهر، ومنهم 153300 من الكنعانيين فتعيَّن منهم 70000 لحَمْل الحجارة والأخشاب وغيرهما و80000 من النحاتين والنجَّارين و3300 ناظرًا.
(22) (1مل 6: 7)
(23) (1مل 6: 8)
(24) (2أي 36: 6، 7)
(25) (عز 3: 8)
(26) (حج 2: 3، 9)
(27) (يو 2: 20)
(28) (أع 3: 2، 10)
(29) (لو 2: 46)
(30) (أع 2: 46)
(31) (أع 3: 11)
(32) (مت 4: 6)
(33) (2أي 4: 9)
(34) (أف 2: 13، 14)
(35) (أع 21: 28)
(36) (لو 18: 10 ـ 14)، (أع 21: 26 ـ 30)
(37) (مر 12: 41)
(38) (2أي 4: 9)
(39) (مت 27: 51)
(40) (مت 24: 2)
(41) (من تاريخ يوسيفوس المؤرخ).